كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 325
ولما بين أمر الدعوة وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلماً ، وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم ، عم - عد ماخصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق ، بالأمر لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء ، والنهي عن مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى : ( وإن عاقبتم ) أي كانت لكم عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم ) فعاقبوا بمثل ما ( ولما كان الأمر عاماً في كل فعل من المعاقبة من أيّ فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض ، بنى للمفعول قوله تعالى : ( عوقبتم به ( وفي ذلك إشارة - على ما جرت به عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم ، وجعله بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء .
ولما أباح لهم درجة العدل ، رقاهم إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى : ( ولئن صبرتم ( بالعفو عنهم ) لهو ) أي الصبر ) خير للصابرين ( وأظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف .
ولما كان التقدير : فاصبروا ، عطف عليه إفراداً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر ، إجلالاً له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزه رضي الله عنه ، وتنويهاً بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة ، لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه ، فقال تعالى : ( واصبر ( ثم اتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء ، لئلا يتوهم أن لأحد فعلاً مستقلاً فقال تعالى : ( وما صبرك ) أي أيها الرسول الأعظم ) إلا بالله ) أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره ، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر ، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له ، فلما وقف النبي صلى الله عليه و على آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه ، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال : ( رحمة الله عليك ، فإنك كنت فعالاً للخير وصولاً للرحم ، ولولا أن تحزن صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى ، أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم ، ) وقال الصحابة رضي الله عنهم : لنزيدن على صنيعهم ، فلما نزلت الآية بادر ( صلى الله عليه وسلم ) الامتثال ، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة ،