كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 326
وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً .
ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة ، يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى ، قال سبحانه : ( ولا تحزن عليهم ) أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس .
ولما كان سبحانه في مقام التبشير ، بالمحل الكبير والموطن الخطير ، الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير ، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى ، والمقام الأسمى من السماوات العلى ، في حضرات القدس ، ومحال الأنس ، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه ، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال : ( ولا تك ( بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة :
وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى ) في ضيق ( ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون ، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله ، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه ) مما يمكرون ) أي من استمرار مكرهم بك ) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( وكأنك به ، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى : ( إن الله ) أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه ) مع الذين اتقوا ) أي وجد منهم الخوف من الله تعالى ، فكانوا في أول منازل التقوى ، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها ، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملاً بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء ، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان ) والذين هم ) أي بضمائرهم وظواهرهم ) محسنون ) أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم ، فهم في حضرات الرحمن ، وأنت رأس المتقين المحسنين ، فالله معك ، ومن كان الله معه كان غالباً ، وصفقته رابحة ، وحالته صالحة ، وأمره عال ، وضده في أسوإ الأحوال ، فلا تستعجلوا قلقاً كما استعجل الكفار استهزاء ، تخلقاً في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال ، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال ، فقد عانق آخرها أولها ، ووافق مقطعها ، وآخرها احتباك : ذكر ) الذين اتقوا ( أولاً دليلاً على حذف ) الذين أحسنوا ( ثانياً ، ) والمحسنين ( ثانياً دليلاً على حذف المتقين أولاً - والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب .
.. .. .

الصفحة 326