كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 344
أتى بختنصر ملك بابل في كل أجناده إلى أورشليم وحلوا عليها ، وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا في الشهر الخامس انثملت القرية ، فأتى كل أشراف ملك بابل إلى الباب الأوسط ، فلما رأى صديقيا أنهم قد جلسوا في الباب الأوسط وقد هرب المقاتلة وخرجوا بالليل ، خرج الملك أيضاً من الباب الذي بين السورين في طريق نيسان ، فلما صار إلى الصحراء طلبه جند الكلدانيين على الأثر ، فأدركوه في صحراء أريحا وافترق عنه أجناده فساقوه حتى أصعدوه إلى بختنصر ملك بابل في ديلاب من أرض حماة وذبح ملك بابل بني صديقيا وكل أشراف يهوذا ، وأعمى عيني صديقيا وأوثقه في السلاسل لكي يذهب به إلى بابل ، وأحرق بيت الملك وبيوت الشعب بالنار ، واستأصل السور المحيط بأورشليم ، وكذا بقية الشعب ، الذين بقوا في القرية والذين هربوا إليه سباهم ودفعهم إلى وازردان صاحب شرطته ، فانطلق بهم إلى بابل ، ومساكين الشعب - الذين ليس لهم شيء - تركهم في أرض يهوذا ، واستعمل عليهم أخيقام بن شافان ، وأمر بختنصر صاحب شرطته أن يأخذ إرميا وقال : لتكن عينك عليه ، ولا تفعل به بأساً ، وما قال لك من شيء فافعله ، فأرسل إلى إرميا فأخذه من دار الحبس ، ودفعه إلى أجدليا بن أخيقام بن شافان ليرده إلى بيته ، وقال وازردان صاحب الشرطة لإرميا : إلهك الذي قال هذا الشر على هذه البلدة وفعل كالذي قال ، لأنكم أخطأتم للرب ولم تسمعوا صوته ، فأنزل بكم هذا الأمر ، وأما أنت فها أناذا قد أحللتك من السلاسل التي كانت في يديك ، فإن شئت أن تأتي معي إلى بابل فتعال ، وإن شئت فاقم ، فهذه الأرض في يديك كلها ، فحيثما كان خيراً لك وحيث يحسن في عينيك فانطلق إليه ، وإلا فاجلس عند جدليا بن أخيقام بن شافان الذي سلطه بختنصر في يهوذا ، و أعطاه صاحب الشرطة مواهب في الطريق وسرحه بسلام ، فأتى إرميا إلى أجدليا بن أخيقام إلى مسفيا ، وجلس عنده مع الشعب الذين خلفهم ملك بابل في الأرض .
هذا ما دل على أولي البأس الشديد الذين سلطهم الله عليهم ، وأما دل على رجمة الله لهم ففي تأريخ يوسف بن كريون أن الروم لما بلغهم أن بختنصر ملك بابل فتح مدينة المقدس ازداد خوفهم من الكسدانيين ، فأرسلوا إلى بختنصر رسلاً وهدايا ، وطلبوا منه الأمان والمسالمة ، فآمنهم وعاهدهم على طاعته وموالاته ، فاطمأنوا وآمنوا وانقطعت عنهم تلك الحروب إلى زمان دارا الملك ، وكان سبب الحروب بين الروم وبين الكسدانيين .
أن الكسدانيين كانوا يعادون اليونانيين ، فأعان الروم اليونانيين فغضب الكسدانيون من ذلك فحاربوا أهل روميه ، واتصلت الحروب بينهم إلى هذا الحد ، فلما انتقد الله العزيز على الكسدانيين طول تجبرهم وحكم بزوال ملكهم وانقضاء دولتهم كما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام ، أثار من ملوك الأمم ملكين