كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 345
عظيمين : أحدهما دارا ملك ماداي ، والآخر كورش ملك الفرس ، فتزوج كورش ملك الفرس بنت دارا واتفقا على معصية الكسدانيين ، وأظهر الخلاف على بلتشصار بن بختنصر ملكهم ، ثم سار إلى بابل في عساكر قوية ، فأرسل إليهم بلتشصر عسكراً كبيراً ، فجرت بينهم حرب عظيمة ، قتل فيها من الفريقين خلق كثير ، ثم انهزم عسكر بلتشصر وهربوا ، فتبعهم كورش ودارا إلى مسيرة يوم عن بابل ، وقتلا كثيراً منهم ، وأقام دارا وكورش في ذلك الموضع ، ثم إن بلتشصر بعث إليهما بألف قائد من قواده ومعهم جميع خاصته وجبابرته ، فخرجوا من بابل آخر النهار ، وساروا ليلتهم فانتهوا إلى عسكر دارا وكورش عند الصباح فكبسوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، فانهزم دارا وثبت كورش فقاتل الكسدانيين ومنعهم أن يتبعوا عسكر دارا ، وقامت الحرب بينهم طول النهار ، ثم استظهر الكسدانيون على الفرس وقتلوا جماعة منهم ، فانهزم الفرس وعاد قواد بلتشصار إليه ظافرين غانمين ، فعظم سرور بلتشصار بذلك ، وصنع لقواده صنيعاً عظيماً أحفل فيه وأحضر الآلات الحسنة من الفضة والذهب ، وبالغ في إكرامهم وحضر معهم مجلس الشراب ، فأكل وشرب وعظم سرورهم وسروره ، فلما أخذ الشراب منه أراد أن يزيد في إكرام أصحابه وسرورهم ، فأمر بإحضار آلات الذهب والفضة التي كان جده بختنصر الملك قد أخذها من هيكل بيت المقدسن ونقلها مع جالية بني إسرائيل إلى بابل ، فأحضرت تلك الآلات بحضرة بلتشصر فشرب فيها الخمر وسقى فيها قواده ونساءه وجواريه ، وأقبلوا يسبحون لأصنامهم ويحمدونها ، قال : فسخط الله سبحانه من ذلك وكره مكا فعله بلتشصار من ابتذال آلات القدس ولم يخف من الله ولم يشكره على ما ظفره بأعدائه ، فأرسل ملاكاً وأمره أن يكتب بحضرة بلتشصار ألفاظاً بأحمر تتضمن ذكر ما حكم الله به عليه وعلى مملكته ، فحل الملاك بأمر الله عز وجل وكتب الألفاظ على حائط المجلس مقابل المنارة ، وكان يرى أصابع الملاك وهي تكتب وما رأى بقية شخصه ، وكانت تلك الأصابع شديدة البهار والنور ، فلما رآها ذهل ولحقه رعب شديد وفزع وارتعد جيمع جسمه رعدة شديدة ، ورعب جيمع جنده ، ولم يفهم تلك الكتابة ولا وجد في أصحابه من يقرأها لأن الخط كان كسدانياً وكان اللفظ عبرانياً .
فأمر بإحضار دانيال النبي - صلى الله على نبينا محمد وعليه السلام - فقرأها وفسرها وقال : أيها الملك قد أخطأت خطأ عظيماً بابتذالك آلات قدس الله بأيدي جندك وجواريك فنجسوها ، ولذلك سخط الله وأرسل ملاكه حتى كتب هذه الألفاظ ليعلمك ما يريد أن يفعله ، فأما هذه الألفاظ المكتوبة فهي ( حسب ووزن ونقل ) وتفسيرها أن الله حسب مدة دولتكم التي قد جعلها لكم فوجدها قد انقت وانتهت ولم يبق منها شيء ، ووزنك في الميزان فوجدك ناقصاً ، يريد أنه جربك بالإحسان إليك والظفر بأعدائك فوجدك غير

الصفحة 345