كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 348
الفرس ، فلما حاذى نابلس خرج إليه سنبلاط السامري صاحبها وحمل إليه أموالاً كثيرة وهدايا ، ثم سار إلى دارا فقتله ، ثم إلى ملك الهند فكذلك ، ثم إلى مطلقع الشمس ، ثم أحب أن يرى أطراف الأرض فضرب فيها ، ورأى من الأمم والعجائب ما هو مذكور في سيره ، ورجع فمات ببابل ، ثم كان أمر اليهود تارة وتارة وهم تحت حكم اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر ، ثم غلب الروم فكان اليهود تحت أيديهم ، وكانوا يقومون ويقعدون تارة وتارة إلى أن كثرت فيهم الأحداث ، وعظمت المصائب والفتن ، وعم الفساد ، وكثرت فيهم الخوارج ، واتصل القتل والغدر والنهب والغارات ، وقتلوا زكريا ويحيى وابنه عليهما السلام ، وأطبقوا على إرادة قتل المسيح ابن مريم عليهما السلام ، فرفعه الله تعالى إليه ثم سلط عليهم طيطوس قيصر فأهلكهم وأخرب البيت الخراب الثاني - كما سيأتي ثم لم يقم لليهود أمر إلى الآن .
فلما ثبت بكون ما توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه ، فثبت قدرته وعلمه ، أشار إلى أن من سبب إذلاه لمن يريد به الخير المعصية ، وسبب إعزازه الطاعة ، فقال تعالى : ( إن أحسنتم ) أي بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان ) أحسنتم لأنفسكم ( فإن ذلك يوجب كوني معكم فأكسبكم عزاً في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ) وإن أسأتم ) أي بارتكاب المحرمات والإفساد ) فلها ( الإساءة ، وذكرها باللام تنبيها على أنها أهل الزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها إليه عبارة كانت ، فإذا تطير مع العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع غيرها .
ولما انتهزت فرصة الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية ، عطف الوعيد الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى ، ولعها أيضاً مؤذنة بقرب مدتها من مدة الإدالة فقال تعالى : ( فإذا جاء ) أي أتى إتياناً هو كالملجأ إليه قسراً على خلاف ما يريده الآتي إليه ) وعد الآخرة ) أي وقتهن فاستأهلتم البلاء لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا التي أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه السلام ) ليسوءوا ) أي بعثنا عليكم عباداً لنا ليسوءوا ) وجوهكم ) أي يجعل آثار المساءة بادية فيها ، وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه ) وليدخلوا المسجد ) أي الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج ، وجعلناه أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم ثَّمَ ، وهذا تعريض بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا أبدل أمنهم في الحرم خوفاً وعزمهم ذلاً ، فأدخل عليهم جنوداً لا قبل لهم بها ، وقد فعل ذلك عام لفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم دائماً أبداً ) كما