كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 351
وكان الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون ، فلم يزل على ذلك إلى أن أحاط العدو بالمدينة ، فابتدأ في بعض الأيام يتكلم على عادته ، فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه ( إذا صار بنيان الهيكل مربعاً ملك على أرض بني إسرائيل ملك عظيم ، ويتسلط على سائر الأرض ) فقال قوم : هو ملك بني إسرائيل ، وقال الحكماء والكهنة : بل الروم ، ووجد أيضاً حجر قديم مكتوب عليه ( إذا كمل بنيان القدس وصار مربعاً فإنه عند ذلك يخرب ) فلما وقع الحصار وانهدم أنطونيا سدوا السور فصار الهيكل مربعاً كما سيأتي ، وأعظم الأمارات ما كان عليه خوارجهم من القتال ، وسفك دماء الخاص والعام ، والحريق والجوع ، بحيث إنه أحاط البلاء بهم وبجميع الناس ولا يجدون مهرباً حتى كرهوا الحياة .
ولما خلص طيطوس من الخوارج بات في عسكره ، ثم سار بالليل من يالو ، فأصبح على بيت المقدس ونزل على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم ، ليحجز الوادي بينه وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها ، ثم رتب عسكره ووصاهم بالتعاون والتظافر واليقظة والحذر ، وأن لا يفارق بعضهم بعضاً ، وقال : إنكم تقاتلون قوماً لم تقاتلوا مثلهم في البأس والشجاعة والصبر على القتال والبصر بالحرب ، فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان وشمعون والعازار على أن لا يحارب بعضهم بعضاً ويتفقوا على محاربة الروم ، واجتمعوا وفتحوا باب المدينة ولقوا من كان قرب من الروم ، فقاتلوهم واشتد الحرب فانهزم الروم ، فردهم طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير ، وانهزم اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من أصحابهم في عدد كثير من جهة أخرى ، فداروا من وراء عسكر الروم ، وزحف أولئك من أمامهم ، فكان الروم بين العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا ، وثبت طيطوس في جمع من أصحابه فاشتد الأمر حتى كاد يقتل ، فقال أصحابه : امضِ إلى الجبلن فاختار الموت على الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر عليه اليهود ثلاث دفعات ، ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب بعضهم بعضاً كما كانوا ، لأن يوحانان كان يريد الرئاسة ، وكان شمعون والعازار يأبيان ذلك ، وحضر عيد الفصح - وهو الفطير - فدخل يوحانان في أصحابه إلى القدس في اليوم الأول ، فليقهم الناس بالجميل وسروا بهم ، فنزعوا ما ظهر من ثيابهم فإذا تحتها السلاح ، وأخذوا على الناس الأبوابن فقتلوا خلقاً كثيراً من الكهنة وغيرهم ولم يرحموا صغيراً ولا كبيراً ، فقتل العازار وشمعون من كان خارج القدس من جماعة يوحانان ، فخرج إليهم واشتد الأمر واتصلت الحرب ، فلما علم طيطوس زحف إلى

الصفحة 351