كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 352
المدينة فقال له قوم من اليهود الذين على السور : نفتح لك الباب على أن تؤمننا وتريحنا من هؤلاء الخوارج ، فلم يثق بهم لهم من شرهم وغدرهم ، وعلت الأصوات في المدينة ، لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس وبعضهم يمنع ، وتبادروا إلى حفظ الأبواب والسور ، فتقدم جماعة من الروم إلى المدينة طمعاً في أن يفتح لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب ، وأعانهم الذين كانوا استدعوا الروم للدخول ، ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم إلى قرب عسكرهم ، وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم بالهزيمة ، فأراد من في العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على أصحابه وقال : لست أعجب من اليهود في غدرهم ، ولكن أعجب منكم مع بصركم بالحرب وكثرة تجاربكم فكيف خدعوكم ؟ فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم وصيتي ، ولذلك انهزمتم لأنه لا يجوز للرعيه أن تخالف أمر الملك ، وقد علمتم أن بعض ملوكنا قتل ابنه لأنه مضى إلى الحرب بغير أمره ، فأنتم مستحقون للقتل بعصياني ، مستوجبون لما جرى عليكم من الهزيمة ، فسجد أصحاب طيطوس له واعترفوا بخطئهم وقالوا : لا نعاود ، فأمرهم أن يعدلوا ما حول المدينة من المعاثر والوهدات ، ويسدوا الآبار ليسهل عليهم القتال ويهدم السور ، ففعلوا ذلك وقطعوا كل ما حول المدينة من الشجر والنبات ، وكان حولها من سائر الجهات بساتين كثيرة فيها أنواع الأشجار والفواكه مسيرة أميال من كل جهة ، فكان إذا أقبل إنسان عليها يرى أحسن منظر فلم يبق الروم من ذلك شيئاً ، وكان من يعرف تلك البساتين إذا رآها بعد إتلافها يبكي ويستوحش ، واشتغل اليهود بخوارجهم ، واتفق شمعون والعازار على يوحانان وكان قد ملك القدس ومعه ثمانية آلاف وأربعمائة رجل من الشجعان ، وكان مع شمعون عشرة آلاف من اليهود وخمسة آلاف من أدوم - أي النصارى - وكان الكهنة وجماعة من أهل المدينة مع العازارن وحصل الناس بين هؤلاء بأسوأ حال ، وكانوا إذا استظهر الروم على المدينة اتفقوا وحاربوهم ، فإذا دفعوهم عادوا إلى الشر فيما بينهم .
ثم إن طيطوس أحضر كبش الحديد وغيره من آلات القتال ليهدم السور ، وصنع أبراجاً عظيمة من الخشب توازي سور المدينة وتحتها بكر ليدفعها الرجال وتصعد عليها المقاتلة ، وأرسل إليهم رجلاً من أصحابه يدعوهم إلى المسالمة فرماه بعض من على السور فقتله ، واصطلح الخوارج وخرجوا إلى الروم فقاتلوهم وأحرقوا الكبش وجميع تلك الآلات وأبعدوهم ورجعوا إلى المدينة يتقابلون ، فلما علم طيطوس بذلك دفع الكبش علىالسور فهدم منه قطعة كبيرة ، فهرب من كان وراءه إلى السور الثاني ، فأبعد الروم ما سقط من حجارة السور ليتسع لهم المجال ، فاصطلح الخوارج وفرقوا أصحابهم