كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 355
ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه وأعلى يداً ، لأن الله عز وجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنياً على أن يكون بعضهم تابعاً لبعض ، وبعضهم قاهراً لبعض ، وبعضهم محتاجاً إلى بعض ، وكل صنف يخضع لمن هو أقوى منه ويذل له ويطيعه ، وذلك ظاهر موجود في الناس على طبقاتهم ، وفي الحيوانات على اختلافها ، وليس يستغني عن ذلك أحد ، ولا يذمه عاقل ، وإذ كان الأمر كذلك فليس ينقصكم طاعة الروم ، ولا الروم بأول من أطعتموهم وقد تقدمت طاعتكم لهم منذ سنين ؛ وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت بالجميل ، ودعوكم إلى المسالمة ، وبذلوا لكم الأمان ، وضمنوا لكم الإحسان ، وظهر منهم الإشفاق على مدينتكم وقدسكم فاتقوا الله ، وتلافوا أمركم ، وأحسنوا النظر لمن بقي منكم ، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعتهم لتبقوا وتتماسك أحوالكم ، وتسلم هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل أن يهدم هذا الحصن الباقي فتهلكوا .
فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ورموه بالسهام والحجارة ، فتباعد قليلاً وأغلظ لهم في الكلام وقال : يا معشر العصا أخبروني ما الذي حملكم على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدي عن الأعداء فأنتم قد ابتذلتموه بالمعاصي نجستموه بما سفكتم فيه من الدماء الكثير ظلماً ، وإن كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها بأيديكم وتبالغون في ظلمها والإساءة إليها ، وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه ؟ أو يبلغون فيكم أثكر مما قد بلغتموه في أنفسكم ؟ أخبروني متى كان من تقدم من أمتنا أو تأخر يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد دون الصلاح والتقوى ؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء له ؟ وهل كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم ؟ وهل كان ينصرهم إلا إذا أطاعوه واتقوه ؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى قهروهم وأذلوهم ، ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ببأسهم وقوتهم ، وقد علمتم أن الله عز وجل كفى الصالحين في كل زمان أمر أعدائهم ، فمنهم من دعا الله عز وجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب ، وأظهر الآيات العظيمة في معونتهم وكفايتهم ، فبلغوا بذلك ما لم يكونوا يبلغون إليه بحولهم وقتهم ، ومنه من حارب الأعداء واستعان بالله عز وجل فأعانه على عدوه وظفره به ، ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة الصالحين ، اعتبروا بأبيكم إبراهيم عليه السلام لما أخذ فرعون امرأته أمل يضرب الله فرعون وأهله بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم عليه السلام وهي سليمة ، ثم أحسن إليه وأكرمه ، فهل قدر إبراهيم عليه السلام على ذلك بالسيف والمحاربة أو بالصلاح والدعاء إلى الله عز وجل ؟ وكذلك فعل الله مع كانوا قد رحموه قبل ذلك ، وراسل يوحانان وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال : قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل ، فأما الآين فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من الناس في استبقائكما .
فانحدرا ليلاً إلى القدس بأصحابهما فتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس بقتل من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قد رحمه ، فلما رأى أصحاب شمعون ذلك خافوا على أنفسهم ، فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم ، فقتل شمعون رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في المدينة ؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى مضوع استترا فيه ، فتم استيلاء طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون ، ولما طال عليهما الاستتار واشتد بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما ، ثم رحل متوجهاً إلى رومية ومعه السبي والغنائم ، وكان كلما نزل منزلاً يقدم جماعة ممن ظفر به من الخوارج غلى السباع التي معه حتى أفناهم ، وكان العازر لما رأى إفساد شمعون وقتله من لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء ، فخرج عنه قبل استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع ، فلما رحل طيطوس مضى إلى قرية مصيرا فعمر حصنها ، فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه قائداً من قواده فحاصره ، فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل قتل من خلفهم من العيال والاستقتال ليموتوا أعزة ، فأجابوه إلى ذلك وقتلوا حتى قتلوا كلهم - فسبحان القوي الشديد ، الفعال لما يريد .
ولما انقضى ذلك ، كان كأنه قيل : أما لهذه المرة من كرة كالأولى ؟ فأطمعهم بقوله سبحانه تعالى : ( عسى ربكم ) أي الذي عودكم بإحسانه ) أن يرحمكم ( فيتوب عليكم ويكرمكم ؛ ثم أفزعهم بقوله تعالى : ( وإن عدتم ) أي بما نعلم من دبركم إلى المعصية مرة ثالثة فما فوقها ) عدنا ) أي بما تعلمون لنا من العظمة ، إلى عذابكم في الدنيا ، وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام ، وإن كان في سياق الشرط ، ليظهر الفرق بين كلام العالم ويغره ، وأشار غلى ذلك قوله في التوراة عقب ما مضى : وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي تلوت عليك فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك الله فيها ، واقبل إلى ربك واسمع قوله ، واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوك من كل قلبك ، فيرد الرب سبيك ويرحمك ، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها ، وإن كان المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك الله ربك من هناك ويقربك من ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون ، وينعم عليكم وتكثرون أفضل من آبائكم ، ويختن الله الرب قلبوكم وقلوب نسلكم إلى الأبد ، تتقون الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل الله كل