كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 357
لما رأيتكم بأجمعكم قد اتفقتم على محاربتهم وبعثتموني لم أخالفكم ، وبذلت المجهود في مناصحتكم ، وثبت في حصن يودنات إلى أن فنى أصحابي ، وغلبني الأمر ، ولم يبق لي حيلة ، ثم حصلت مع الروم فما أساؤوا إليّ بل أحسنوا وأجملوا وعفو عني وأنا معهم إلى هذه الغاية على ما أحب ، وقد كنت اجتهدت قبل حصولي معهم أن أهب إليكم فما تم لي ذلك ، وأنا الآن أحمد الله تعالى إذ لم يسهل لي ذلك ، فإني لو كنت معكم لنت إما أن أشارككم في أفعالكم هذه فأكون مخطئاً ، أو أخالفكم فتقتلوني ظلماً ، فتأملوا ما خاطبتكم به ولا تظنوا أن الله ينصركم ، فإنكم لا تستحقون ذلك لأنكم قد أسخطتموه ، واستدلواعلى ذلك بآية عين سلوان ، فإنها قد كانت قريبة من الجفاف قبل أن ينزل بكم هذه العساكر ، فلما نزلوا غزرت فصارت كالنهر لتعلموا أن الله تعالى يريد معونة أعدائكم عليكم ، وأنا أعلم أن كلامي لا يؤثر فيكم ليتم ما قد حكم الله به كالحجارة بل هي أقسى وأصلب من الحجارة ، لأن الحجر قد يؤثر فيه الماء إذا دام انصبابه عليه ، وأنتم لا تؤثر فيكم المواعظ الكثيرة ، ولا تلين قلوبكم ولا تنكسر ، ولكن قد بلغت الغاية فيما يلزمني من نصيحتكم ، فاقبلوا نصحي وأشفقوا على هذا القدس الجليل الذي بنته الأنبياء المقدسون والملوك العظماء ، فإن بقاء عزكم وثبات أمركم مقرون ببقائه وعمارته ، وإن خرب لم يبق لكم عز ولا إقبال ولا دولة ، فاقبلوا ما بذله لكم ابن الملك من الأمان ، وثقوا بعهده وما ضمنه من الإحسان ، وأنا الضامن لكم عنه ، وإن اتهمتموني بأني أخدعكم وأريد معاونة الروم عليكم فأنتم تعلمون أن أبي وأمي وزوجي الكريمة لعيّ وأولادي معكم ، فإن ظهر لكم من طيطوس بعد مسالمتكم له ما تكرهون فاقتلوهم واقتلوني فقد وهبتكم دماءهم ودمي على ذلم .
ثم بكى يوسف بكاء شديداً ، وكان طيطوس يسمع كلامه فرق له وأمر بإطلاق من كان من السبي في عسكره ، وأطلق لهم أن يمضوا حيث شاؤوا فمال أكثر أهل المدينة إلى طاعة طيطوس ، فمنعهم الخوارج ووكلوا بأبواب المدينة من يحفظها ، وأمروا الموكلين أن يقتلوا كل من أراد الخروج ، ولما طالب الحصار اشتد الجوع ، وكان الخوارج يفتشون منازل الناس وينهبون الطعام ويقتلون من مانعهم عنه ، فكان الناس يموتون في المدينة بالجوع ، ومن أراد الخروج إلى ظاهر المدينة ليأخذ شيئاً من نبات الأرض قتله الخوارجن وإن قدر على الخروج قتله الروم ، فأفناهم ذلك ، وكان طيطوس إذا سمع ذلك رق لهم واستعطفهم ، فلا يزيد استعطافه الخوارج إلا قسوة ، ويخاطبونه بالقبيح ليكف عن ذلك لئسلا يميل معه الناس ، فلما رأى ذلك جد في إخراب السور الثالث ليخلص الناس من الخوارج ، فقسم عسكره أربعة أقسام ونصب كباشاً على الجهات

الصفحة 357