كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 359
ويتحدث به بعدنا الأجيال ، ويعتبر به ذوو الألباب ، ثم قبضت على ابنها بيدها الواحدي وأخذت الحديدة بالأخرى وهي كالمجنونة ، وحولت وجهها عنه لئلا تراه وضربته بالحديدة فمات ، ثم أخذت منه وشوته وأكلته ، فلما شم الخوارج ريح ذلك اللحم هجموا عليها فقالوا لها : من أين لك هذا اللحم ؟ ولم استأثرت به علينا ؟ فقال : ما كنت بالتي أوثر نفسي عليكم فاجلسوا ، فجاءت بالمائدة وأخرت ما بقي من جسم ابنها وقالت : هذا ولدي وأعز الناس عندي قتلته بيدي لإفراط الجوع وأكلت من لحمه ، وهذا بقية جسمه عزلتها لكم ، فكلوا واشعبوا ولا تكونوا أشد رحمة لولدي مني ، ولا تضعف قلوبكم عن ذلك فإنه قبيح لشجعان مثلكم أن تكون امرأة أقوى قلباً منكم ، وأنتم أحق بأن ترضوا بهذا مني ، لأنكم الذي سببتم علينا البلاء حتى بلغنا هذا المبلغ ، ثم رفعت صوتها تبكي وتنتحب وتنوح على ابنها ، فملا رأوا ذلك هالهم وخرجوا مذعورين واشتهر خبرهان فقلق الناس قلقاً شديداً ، وتحققوا صحة الوعيد الذي سبق من الله ، وانكسر الخوارج لذلك واستعظموه وأطلقوا للناس الخروج ، فخرج في ذلك الوقت خلق كثير .
فلما اتصل ذلك بطيطوس استعظمه واشتد خوفه من الله تعالى ، فرفع يده إلى السماء وقال : اللهم أنت العالم بالخفيات والمطلع على السرائر والنيات ، أنت تعلم أني لم أجئ إلى هذه المدينة لأسيء إلى أهلها ولقد ساءني أمر هذه المرأة فلا تؤاخذني به ، وطالب هؤلاء الخوارج وانتقم منهم ، وظفرني بهم ولا تمهلهم .
وأمر بالإحسان إلى من خرج إليه من اليهود ، فكان كثير منهم لا يقدرون على فتح أفواههم ، وكثير منهم مات لما أكل الطعام ، وكان الصبيان وغيرهم يختطفون الخبز إذا نظروه وينهشونه بلا عقل ، فغذا أكلوا ماتوا ، فقال طيطوس ليوسف بن كريون : ما الحيلة في هؤلاء حتى لا يموتوا ؟ فقال : ينبغي أن يسقوا اللبن والحساء الرقيق أياماً حتى تلين أمعاؤهم ، ثم الطعام بعد ذلك ، ففعل ذلك فسلم منهم جماعة .
وتقدم الروم إلى اسلور الثالث ليهدموه فخرج إليهم يوحانان وشمعون وأصحابهما مع ما هم فيه من الضر فقاتلوهم تقالاً شديداً ، وقتلوا منهم جماعة ، فأمر طيطوس بدفع الكبش على السور ، فدفع عليه في الليل فهدم ، وكبر الروم تكبيراً عظيماً وكبر اليهود من داخل المدينة ، فلم يجسر الروم على دخول المدينة ، فلما أصبحوا إذا سور جديد بإزاء الهدم قد بناه اليهود تلك الليلة وهم قيام عليه ، فاستعظم الروم ذلك وأيسوا من الفتح ، فقال طيطوس : هذا رطب لم يستحكم ، وإذا ضربه الكبش اسرع الانهدام ، فطلع الروم على السور الذي هدموه ، ووقف اليهود على الجديد واشتد القتال ، فهزمهم اليهود بعد أن قتلوا كثيراً منهم فضجر الروم وعزموا