كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 365
مواد الشبه وإيضاح وجوه الدلائل ، وأما الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة ، وتارة في غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين .
ولما انقسم الناس إلى مهتد به وضال ، أتبع ذلك بيانه ، وكان التعبير عن حالهما بالبشرى في قوله تعالى : ( ويبشر المؤمنين ) أي الراسخين في هذا الوصف ، ولهذا قيدهم بياناً لهم بقوله تعالى : ( الذين ( يصدقون إيمانهم بأنهم ) يعلمون ) أي على سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم ) الصالحات ( من التقوى والإحسان ) أن لهم ) أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم ) أجراً كبيراً ( إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهراً كما كان إنذار كتاب موسى عليه السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم .
ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم ، أبتعه ما لهم في أعدائهم فقال تعالى : ( وأن ) أي ويبشر المؤمنين أيضاً بأن ) الذين لا يؤمنون ) أي لا يتجدد منهم إيمان ) بالآخرة ( حقيقة أو مجازاً ، المسبب عنه أنهم لا يعلمون الصالحات حقيقة لعدم مباشرتها ، أو مجازاً ببنائها على غير أساس الإيمان ؛ وعبر بالعتاد تهكماً بهم ، فقال تعالى : ( أعتدنا ) أي أحضرنا وهيأنا ما هو في غاية الطيب والنفاسة والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف بوجه ، وهو مع ذلك منظور إليه ، لعظمتنا ) لهم ( من عندنا بواسطة المؤمنين أو بلا واسطة .
ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشرف المغتبط المسرور ، أتاهم في تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة ( تحية بينهم ضرب وجيع ) وسر قلوب الأولياء سروراً عظيماً ، فقال تعالى : ( عذاباً أليماً ( فإنه لا بشرى لذوي الهمم أعلى ولا أسرمن الانتقام من مخالفيهم ، فصار فضل الكتاب على الكتاب كفضل الذهاب على الذهاب ، وحذف المؤمنين الذين لا يعلمون الصالحات ، لتمام البشارة بالإشارة إلى أنهم من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا يكادون أن يوجدوا .
ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام ، أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه القويمة والإقدان على ما لا فائدة فيه ، تنبيهاً على ما يجب عليه من التأني للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنِه بمعيار الشرع ، فقال تعالى : ( ويدع ( حذف واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظاً في العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله ، وهو لا يريد علو الشر عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو ، وإلى أن غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله ، وقد ذكرت حكم الوقف عليه وعلى أمثاله في سورة