كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 374
وأمر ) ربك ) أي المحسن إليك أمراً حتماً مقطوعاً به ماضياً لا يحتمل النزاع ؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى : ( ألا تعبدوا ) أي أنت وجميع أهل دعوتك ، وهم جميع الخلق ) إلا إياه ( فإن ذلك هو الإحسان .
ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبهاً على وجوب ذلك باسم الرب ، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال : ( وبالوالدين ) أي وأحسنوا ، أي أوقعوا الإحسان بهما ) إحساناً ( بالإتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك يزيد في حسناتهما ، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
ولما كان سبحانه عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن ، قال تعالى : ( إما ( مؤكداً بإدخال ( ما ) على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الأبوين ) يبلغن عندك ) أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك ) الكبر ( ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى : ( أحدهما أو كلاهما ( فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك ) فلا تقل لهما أف ) أي لا تتضجر منهما ، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيراً هنا ؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيماً للمقام فقال : ( ولا تنهرهما ( فيما لا ترضاه ؛ والنهرك زجر بإغلاظ وصياح .
وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه : وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى : ( ولا تقل لهما أف ( بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب ، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة ، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذلن ولذلك عطف عليه ) ولا تنهرهما ( لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى ، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى ، كما لو قال قائل : من يعمل ذرة خيراً يره ، ومن يعمل قيراطاً يره ، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه ، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى .
ولما نهاه عن عقوقهما تقديماً لما تدرأ به المفسدة ، أمره ببرهما جلباً للمصلحة ، فقال تعالى : ( وقل لهما ) أي بدل النهر وغيره ) قولاً كريماً ) أي حسناً جميلاً يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس ، كما أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا ) واخفض لهما ( ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل ،

الصفحة 374