كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 376
ولما حث على الإحسان إليهما بالخصوص ، عم بالأمر به الكل ذي رحم وغيره ، فقال تعالى : ( وءات ذا القربى ( من جهة الأب أو الأم وإن بعد ) حقه و ( آت ) المسكين ( وإن لم يكن قريباً ) وابن السبيل ( وهو المسافر عم ماله لتكون متقياً محسناً .
ولما رغب في البذل ، وكانت النفس قلما يكون فعلها قواماً بين الإفراط والتفريط ، أتبع ذلك قوله تعالى : ( ولا تبذر ( بتفريق المال سرفاً ، وهو بذله فيما لا ينبغي ، وفي قوله ) تبذيراً ( تنبيه على أن الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير ؛ والتبذير : بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافاً ، وأما الجود فبمقدار معلوم ، لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية ، ومنها معلوم بحسب القدر ، ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ذلكنة وقد سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التبذير فقال : إنفاق المال من غير حقه ، وهن مجاهد رضي الله عنه : لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيراً ، ولو أنفق مداً في باط كان تبذيراً .
ثم علل ذلك بقوله : ( إن المبذرين ) أي جبلة وطبعاً ) كانوا ) أي كوناً هم راسخون فيه ) إخوان الشياطين ) أي كلهم ، البعيدين من الرحمة ، المحترقين في اللعنة ، فإن فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم ، وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير نفع ، فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم ، والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم وتابع أمرهم : هو أخوهم .
ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر ، والتبذير أقود إلى الكفر ، قال تعالى : ( وكان الشيطان ) أي هذا الجنس البعيد من كل خير ، المحترق من كل شر ) لربه ) أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته ) كفوراً ) أي ستوراً لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة ، ونعمه الباهرة ، مع الحجة .
ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان ، أمر بمثل ذلك حالة العدم ، فقال مؤكداً تنبيهاً على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز الاستبعاد والاستنكار : ( وإما تعرضن عنهم ) أي عن جميع من تقدم ممن أمرت بالبذل له ، لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه ، لكونك لا تجد ما تعطيه ، فأعرضت حياء لا لإرادة المنع ، بل ) ابتغاء ) أي طلب ) رحمة ) أي إكرام وسعة ) من ربك ( الكثير الإحسان ) ترجوها ( فإذا أتتك واسيتهم فيها ) فقل لهم ( في حالة الإعراض ) قولاً ميسوراً ) أي ذا يسر يشرح صدورهم ، ويبسط رجاءهم ، لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا معهم ؛ قال أبو حيان : وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم