كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 378
الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا الخلق قبل الإسلام وبعده : ( ولا تقتلوا أولادكم ( معبراً بلفظ الولد هو داعية إلى الحنو والعطف ) خشية إملاق ) أي فقر متوقع لم يقع بعد ؛ ثم وصل بذلك استئنافاً قوله : ( نحن نرزقهم وإياكم ( مقدماً ضمير الأولاد لكون الإملاق مترقباً من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل ، بخلاف آية الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل ، والقتل للعجز عن الإنفاق ، ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى : ( إن قتلهم ) أي مطلقاً لهذا أو غيره ) كان خطأ ) أي إثماً ) كبيراً ( قال الرماني : والخطأ - أي بكسر ثم سكون - لا يكون إلا تعمداً إلى خلاف الصواب ، والخطأ - أي محركاً - قد يكون من غير تعمد .
ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل ، وفي فعل الزنا داعٍ من الإسراف ، أتبعه به فقال تعالى : ( ولا تقربوا ) أي أدنى قرب بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر ) الزنى ( مع أن السبب الغالب في فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد ، وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه ، وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل ، كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل ، وعبر بالقربان تعظيماً له لما فيه من المفاسد الجارّة إلى الفتن بالقتل وغيره ؛ ثم علله بقوله مؤكداً إبلاغاً في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية إليه : ( إنه كان ) أي كوناً لا ينفك عنه ) فاحشة ) أي زائدة القبح ، وقد نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان ) وساء ( الزنا ) سبيلاً ) أي ما أسوأه من طريق والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على سعة منهجه .
ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي السبب على تقدير ، وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه ، أتبعهما مطلق القتل الذي من أسبابه تحصيل المال فقال تعالى : ( ولا تقتلوا النفس ) أي بسبب ما جعل خالقها لها من النفاسة ) التي حرم الله ) أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله بالإسلام أو العهد ) إلا بالحق ) أي بأمر يحل الله به تلك الحرمة التي كانت ، فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود بخلاً ثم بذله إسرافاً ثم تحصيل المفقود بغياً ؛ ثم عطف على ما أفهم السياق تقديره وهو : فمن قتل نفساً بغير حق فقد عصى الله ورسوله ) ومن قتل ) أي وقع قتله من أيّ قاتل كان ) مظلوماً ) أي بأيّ ظلم كان ، من غير أن يرتكب إحدى ثلاث : الكفر ، والزنا بعد الإحصان ، وقتل المؤمن عمداً ، عدواناً ) فقد جعلنا ) أي بما لنا من العظمة ) لوليه ) أي سواء كان قريباً أو سلطاناً ) سلطاناً ) أي أمراً متسلطاً ) فلا يسرف ( الولي ، أو فلا تسرف أيها الولي ) في القتل ( بقتل غير القاتل ، ولا يزد على حقه بوجه ) كان منصوراً ( في الدنيا بما جبل الله في الطباع من