كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 391
في الإصغاء والميل السمع ) به ( من الآذان والقلوب ، أو بسببه من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم ) إذ ) أي حين ) يستمعون ) أي يصغون بجهدهم ، وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى : ( إليك وإذ ) أي وحين ) وهم ( دوو ) نجوى ) أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماعك ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى : ( إذ يقول ( مبرزاً لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به ، وهم ) الظالمون ( ومقولهم : ( إن تتبعون ) أي أيها التابعون له بغاية جهدكم ) إلا رجلاً محسوراً ( مختلط العقل ، فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم ، وسيأتي في آخر السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل ؛ ثم وصل بذلك الدليل على نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى : ( انظر ( ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال تعالى : ( كيف ضربوا ) أي هؤلاء الضلال ) لك الأمثال ( التي هي أبعد شيء عن صفتك من قولهم : ساحر وشاعر ومجنون ونحوه ) فضلوا ( عن الحق في جميع ذلك ) فلا ) أي فتسبب عن ذلالهم أنهم لا ) يستطيعون سبيلاً ) أي يسلكون فيه ، إلى إصابة المحن في مثل ، أو إحكام الأمر في عمل ، وهذا بعد أن نهاهم الله بقوله تعالى
77 ( ) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ( ) 7
[ النحل : 74 ] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم والسمع فضلاً عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول البشر - سبيل أو يغيروا في وجهه بشبهة فضلاً عن دليل .
ولما جرت عادة القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وقدم الدلالة على الأولين ، وختم جهلهم في النبوة مع ظهورهان أتبع ذلك أمراً جلياً في ضلالهم عن السبيل في أمر المعاد وقرره غاية التقرير ، وحرره أتم تحرير ، فقال تعالى معجباً منهم : ( وقالوا ) أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها : ( أإذا ( استفهاماً إنكارياً كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونهن والعامل في ) إذا ( فعل من لفظ ) مبعوثون ( لا هو .
فإن ما بعد ) إن ( لا يعمل فيما قبلها .
فالمهنى : أنبعث إذا ) كنا ) أي بجملة أجسامنا كوناً لازماً ) عظاماً ورفاتاً ) أي حطاماً مكسراً مفتتاً وغباراً ) إنا لمبعوثون ( حال كوننا مخلوقين ) خلقاً جديداً ( فكأنه قيل : فماذا يقال لهم في الجواب ؟ فقيل : ( قل ( لهم : لا تكونوا رفاتاً ، بل ) كونوا ( تراباً ، بل كونوا أصلب التراب ) حجارة ) أي هي في غاية اليبس ) أو حديداً ( زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء ) أو خلقاً ( غيرهما ) مما يكبر ) أي يعظم كبيرة ) في صدوركم (