كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 392
عن قبول الحياة ولو أنه الموت ، حتى تعلموا حال الإعادة ، كيف يكون حالكم في الإجابة إلى ما يريد ؟ فإن الكل أصله التراب ، فالذي فضل طينكم - الذي خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله طوراً بعد طور إلى أن جعله حجراً أو حديداً ) فسيقولون ( تمادياً في الاستهزاء : ( من يعيدنا ( إذا كنا كذلك ) قل الذي فطركم ) أي ابتدأ خلقكم ) أول مرة ( ولم تكونوا شيئاً يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها ، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة ) فسينغضون ) أي مصوبين بوعد لا خلف فيه مشيرين ) إليك رؤوسهم ) أي يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون ؛ والنغض والإنغاض : تحريك بارتفاع وانخفاض ) ويقولون ( استهزاء : ( متى هو ( ثم وصل به قوله تعالى : ( قل ( قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم : ( عسى أن يكون ) أي كوناً لا انفكاك عنه ) قريباً ( مطرقاً إليه الاحتمال لأمكانه غير جازم ، ثم استأنف جازماً بقوله : ( يوم ) أي يكون ذلك يوم ) يدعوكم ) أي يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن يقول : يا أهل القبور قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك ) فتستجيبون ) أي توافقون الداعي فتفعلون ما أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها ، أو استعار الدعاءوالاستجابة للبعث والابنعاث تنبيهاً على سرعتهما وتيسر أمرهما ، أو أن القصد بهما الإحضار للحساب ) بحمده ) أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة وعلماً من غير تخلف أصلاً ، بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل ، وأنتم مع سرعة الإجابة تحمدون الله تعالى ، أي تثبتون له صفة الكمال ) وتظنون ( مع استجابتكم وطول لبثكم ) إن ) أي ما ) لبثتم ( ميتين ) إلا قليلاً ( لشدة ما ترون من [ الأهوال التي أحاطت بكم والتي تستقبلكم ، أو جهلاً منكم بحقائق الأمور كما هي حالكم اليوم كما ترون من - جدة خلقكم وعدم تغيره .
ولما أمره سبحانه بإبلاغهم هذا الكلام ، وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم والاستخفاف بعقولهم ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب العرباء ، وكان لكونه كلام العليم بالعواقب ، الخبير بما تجن الضمائر - ربما استن به المؤمنون فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم ، نهاهم عن ذلك لئلا يقولوا ما يهيج شراً أو تثير ضراً ، فقال تعالى : ( وقل ) أي قل لهم ذلك من الحكمة والموعظة الحسنة ، وقل ) لعبادي ) أي الذين هم أهم للإضافة إليّ ، واعظاً لهم لئلا يتجاوزا الحد من شدة غيظهم من المشركين ، إن تقل لهم ذلك ) يقولوا ( الموعظة والحكمة والمجادلة ) التي

الصفحة 392