كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 395
التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به قريباً ، فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى عليه السلام ، وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السلام ، وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السلام به والعروج منه إلى سدرة المنتهى والمقام الأعلى ، وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ( وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : خفف على داود القراءة فكان يأمر بدوابه لتسرج ، فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني القرآن ، ومن أعظم المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث فلا ذكر البعث هذا مقامه فيه صريحاً ، وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك ، أما البعث فلا ذكر له في أصلاً ، وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا الجحيم في موضع واحد ، وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير موضع ، وأما البعث فصرح به ، وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد ، قال في المزمور الثالث بعد المائة : نفسي تبارك الرب ، الرب إلهي عظيم جداً ، لبس المجد ، وعظيم البهاء ، وتجلل بالنور كالرداء ، ومد السماء كالخباء ، جعل الماء أساسها ، واستوى على السحاب ، ومشى على أجنحة الرياح ، خلق ملائكته أرواحاً وخدمه ناراً واقدة ، وتجلل بالغمر كالرداء ، وعلى الجبال تقف المياه ، ومن رجزك قهرت ، ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية ، والبقاع منهبطة في الأماكن التي أسست ، جعلت حداً لا تتجاوزه ، لا تعود تغطي الأرض ، أرسل الماء عيوناً في الأدوية ، وبين الجبال تجري المياه لتسقي حيوان البر ، وتروي عطاش الوحوش ، يقع عليها طائر السماء إلى أن قال : وكل بحكمة صنعتن امتلأت الأرض من خليقتك ، هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار وصغار ، وفيه تسلك السفن ، وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه ، والكل إياك يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه ، فإذا أنت أعطيتهم يعيشون ، وعند بسط يدك بالطيبات يشبعون ، وحين تصرف وجهك يجزعون ، تنزع أرواحهم فيموتون ، وإلى التراب يرجعون ، ترسل روحك فيخلقون ، وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى ، ويكون مجد الرب إلى الأبد - انتهى .
فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من اليهود : إن الأمر كما تقولون في أنه لا قيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا :