كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 400
ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر : اذكر أنا قلنا لك ) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية ) [ يونس : 96 ] واذكر ما وقع من ذلك ماضياً من آيات الأولين وحالاً من قصة الإسراء ، عطف عليه قوله تعالى : ( وإذ ) أي واذكر إذ ) قلنا ( على ما لنا من العظمة المحيطة ) لك إن ربك ( المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك ) أحاط بالناس ( علماً وقدرة ، تجد ذلك إذا طبقت بعضه على بعض أمراً سوياً حذو القذة لا تفاوت فيه ، واعلم أنه مانعك منهم وحائطك ومظهر دينك كما وعدك ؛ ثم عطف على ) وما نرسل ( قوله تعالى : ( وما جعلنا ) أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق ) الرءيا التي أريناك ) أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء ) إلا فتنة ) أي امتحاناً واختباراً ) للناس ( ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب ، فنقيم بها عليهم الحجة ، لا ليؤمن أحد من حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علماً بسرائرهم ، ولا شك في أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناماً بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد ، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة والجماعة ، وقد ورد في صحته ما لايحصى من الأخبار - هذا النقل ، وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان ، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه العقول ، لكن لما كان على خلاف العادة ألفته الطباع ، فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع ، وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات ، على ما ألفوا من العادات ، وأما أولو الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة ، ونظروا بأعين البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك والملكوت ، والشهادة والغيب ، والخلق والأم ، فاعترفوا به ، وأنه من عظيم الآيات ، وبدائع الدلائل النيرات ، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى ) فتنة ( لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة ، ولعله إنما سماه رؤيا - وهي للمنام - على وجه التشبيه والاستعارة ، لما فيه من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما ) وما جعلنا الرءيا التي أريناك ( الآية ، قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به .
ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن في طبعه الباطل ، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها ، وكان قد أخبر أن شجرة

الصفحة 400