كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 423
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ) 73
( ) 71
ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل ، وإخراج المرسل ، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتاً عن الروح الحسي ، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهماً عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجداً ، وأطهرهم نفساً ، وأعظمهم مولداً ، وأزكاهم عنصراً ، وأعلاهم همة ، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لايفهمونه ، قال عاطفاً على ) وإن كادوا ليفتنونك ( تنبيهاً لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه ، فعمهم الجهل كما كانوا ، وعلى أنه لم يكفهم بما يبيدهم ويفنيهم ، فضلوا قولاً وفعلاً : ( ولئن شئنا ( ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء ، ولامه موطئة للقسم ، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى : ( لنذهبن ) أي بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً ) بالذي أوحينا ) أي بما لنا من العظمة ) إليك ( مما أرادوا الفتنة فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا ، و لإفادة هذا لم يقل : لأذهبنا .
) ثم ) أي بعد الذهاب به ) لا تجد لك ( ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي ، فكانت العناية به أشد ، قدم قوله : ( به ( ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعاً وكرهاً ، قال تعالى : ( علينا ) أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض ) وكيلاً ( يأتيك به أو بشيء منه .
ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه ، قال تعالى : ( إلا ) أي لكن تجد ) رحمة ( مبتدئة وكائنة ) من ربك ) أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباكن ولم يقطع إحسانه قط عنك ، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه ، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال .
ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى ، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفاً مؤكداً لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب ، فهو بحيث لا يكاد يصدق ، وهو مما يتلذذ بذكره ) إن فضله كان ) أي كوناً ثابتاً ) عليك ) أي خاصة ) كبيراً ) أي بالغ الكبر ، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان ، يسري بما في المصاحف وبما في القلوبن وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط .

الصفحة 423