كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 427
على : ( فأبى ( أو ) فقالوا ( : ( وما منع الناس ) أي قريشاَ ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب ) أن يؤمنوا ) أي لم يبق لهم مانع من الإيمان ، والجملة مفعول ( منع ) ) إذ جاءهم الهدى ) أي الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة ) إلا ( وفاعل منع ) أن قالوا ) أي منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين : ( أبعث الله ) أي بما له من العظمة الباهرة من صفات الجلال والإكرام ) بشراً ورسولاً ( وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة بعد ذلك ، فلما أنكروا كون الرسول بشراً بعد أن جعلوا الإله حجراً ، علمه جوابهم بقوله تعالى : ( قل ( لهم : قال ربي سبحانه وتعالى : ( لو كان ) أي كوناً متمكناً ) في الأرض ( التي هي مسكن الآدميين ) ملائكة يمشون ( عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء ) مطمئنين ( باتخاذهم لها قراراً كما فعل البشر ) لنزلنا ) أي بما لنا من العظمة ) عليهم ( مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء من البشر ، وحقق الأمر بقوله تعالى : ( من السماء ملكاً رسولاً ( لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم لع بخلاف البشر كما هو مقتضي الحكمة ، لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم ، إذ الشيء عن شكله أفهم ، وبه آنس ، وإليه أحسن ، وله آلف ، إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك .
ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله ، ونفى شبهتهم في إنكار كون الرسول بشراً ، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن كانوا مقرين بأنهم أنبياء ، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر ، فالبشرلا يفهم عن الملك إلا بخارقة ، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من أتباعهم ، لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند القدرة ، وإلى الله عند فقدها ، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف ، أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى : ( قل كفى بالله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ) شهيداً ) أي فيصلاً يكون ) بيني وبينكم ( يعامل كلاًّ منا بما يستحق ؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى : ( إنه كان بعباده ( قبل أن يخلقهم ) خبيراً ( بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم ) بصيراً ( بما يكون منهم بعد وجوده .
ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال ، وكان ختم هذه الآية مرشداً إلى أن المعنى : فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة ، ومن علم منه قابلية للشر أضله ، عطف عليه قوله تعالى : ( ومن يهد الله ) أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له ، بخلق الهداية في قلبه ، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة