كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 428
الإحسان بإفراد ضميره ، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى : ( فهو ) أي لا غيره ) المهتد ( لا يمكن أحداً غيره أن يضله ) ومن يضلل ( فهو الضال لا هادي له ، وذلك معنى قوله تعالى : ( فلن تجد لهم ) أي للضالين ) أولياء ) أي أنصاراً في هذه الدنيا ) من دونه ( يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره ، ولذلك نفوا أصلاً ورأساً ، لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم ، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى ؛ فالآية من الاحتباك : خبر الأول يدل على حذف ضده ثانياًن ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول .
ولما كان يوم الفصل يوماً يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى : ( ونحشرهم ( بنون العظمة أي نجمعهم بكره ) يوم القيامة ) أي الذي هومحط الحكمة ) على وجوههم ( يمشون أو مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا ) عمياً وبكماً وصماً ( كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم ، بل يكون ضرراً عليهم لما ينظرون من المعاطب ، ويسمعون من المصائب ، وينطقون به من المعايب ؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه ، فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - انتهى .
ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر ، قدم البصرلأنه العمدة في ذلك ، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد ، وختم بالسمع لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد ، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف فللتهويل ، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر ، فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه ، لما تقدم في براءة ، وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم بالآخر كبير نفع ، فكأنه قيل : إلى أيّ مكان يحشرون ؟ فقال تعالى : ( مأواهم جهنم ( تستعر عليهم وتتجهمهم ، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه إلى وجه صاحبه ، لأنه لا يدرك سوى العذاب العظيم على مشاعره ، فيا طولها من غربة ويا لها من كربة فكأنه قيل : هل يفتر عنهم عذابها ؟ فقيل : لا بل هم كل ساعة في زيادة ، لأنها ) كلما خبت ) أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها لجلودهم ) زدناهم ) أي بما لنا من العظمة ) سعيراً ( بإعادة الجلود ؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى : ( ذلك ) أي العذاب العظيم ) جزاؤهم بأنهم ( أهل الضلالة ) كفروا بآيتنا ( القرآنية وغيرها ، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا ، وكانوا كل يوم يزدادون كفراً ، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا