كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 432
شبعه ويغدر بعبيده ، أرسل موسى عبده وهارون صفيه ، فصنعا فيهم آياته وعجائبه في أرض حام ، بعث ظلمة فصار ليلاً ، وأسخطوا كلامه ، فحول مياههم دماً ، وأمات حيتانهم ، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم ، أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم ، جعل أمطارهم برداً ، واشتعلت النار في أرضهم ، ضرب كرومهم وتنبهم ، وكسر شجر تخومهم ، أذن للجراد فجاء وذباب لا يحصى ، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها ، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى ، وكأن ذلك لشهرتها جداً عندهم ، ولأن جميع الآيات كانت بها ، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل ، وإنما قلت : إن الآيات هذه ، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها ، وعاند بعد رؤيتها ، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه ، لم يكفهم عن العناد ، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه .
ولما كان اليهود الذين أمروا قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف ، نبههم على سؤالهم - إن كانوا يقلبون كلامهم - عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولاً وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب ، فقال تعالى : ( فسئل ) أي يا أعظم خلقنا ) بني إسراءيل ) أي عامة الذين نبهوا قريشاً على أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه ) إذ ) أي عن ذلك حين ) جاءهم ) أي جاء آباءهم ، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك ، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة العذاب ، وإنما كان جهلاً وعناداً ، ليكون ذلك مسلاة لك وعلماً على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم ) فقال ) أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال ، وهو أن قال ) له فرعون ( عتواً واستكباراً : ( إني لأظنك ( أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد ) يا موسى مسحوراً ) أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك ، خيال لا حقيقة له ، وأنت في الحقيقة مسحور ، ولوجود السحر عنك ساحر ، قال أبو عبيد : كما يقال : ميمون - يمعنى يأمن .
وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة ، وهذا كما قالت قريش ) إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً ( وقالوا في موضع آخر : ساحر ، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل

الصفحة 432