كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 433
مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل ، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم ، قال الشيخ ولي الدين الملوي : ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات نبوة أنبيائهم ، فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم مثله ، وما كان جواباً لهم فهو جواب لنا ، ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها ، فكأنه قيل : فما قال موسى عليه السلام ؟ فقيل : ( قال ( لفرعون : ( لقد علمت ) أي أنا بضم التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه ، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون ، أو بفتح التاء - على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه ) ما أنزل ( على يدي ) هؤلاء ( الآيات ) إلا رب السماوات والأرض ) أي خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات ) بصائر ) أي بينات ثابتاً أمرها علياً قدرها ، يبصر بها صدقي ، وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة له ) وإني ) أي وإن طننتني يا فرعون مسحوراً ) لأظنك ( أكد لما كان مع فرعون من ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة فرعون ) يا فرعون مثبوراً ) أي ملعوناً مطروداً مغلوباً مهلكاً ممنوعاً من الخير فاسد العقل ، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ظنك لعنادك لرب العالمين ، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها الغطاء ، فهي أوضح من الشمس ، وذلك لإخلادك إلى الحال التي أنت بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها ، وقد بينت مدار ( ثبر ) في ) لا تثريب ( في سورة يوسف عليه السلام ، فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت إليه ) فأراد ) أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن فرعون أراد ) أن يستفزهم ) أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال ، من قولهم : فز الجرح : سال ) من الأرض ( بالنفي والقتل للتمكن من استبعاد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد ؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن كانوا أكثر منهم وأشد فقال : ( فأغرقناه ) أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا من العظمة - كيده في نحره : فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر على الامتناع ، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه ) ومن معه جميعاً ( كما جرت به سنتنا فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفرالنعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق ، فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في