كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 450
خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشاً بالسؤال عن أمرهم تشكيكاً في الدين لايعلمون أمرهم على الحقيقة ، نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن كأنه قال : أيهما أحصاه ؟ : ( نحن ( أو يقال : ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية ، وهي قصة أهل الكهف ، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى ، وهي قصة أهل الكهف ، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار ، فقال جواباً لمن كأنه قال : اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين : نحن ) نقص ) أي نخبر إخباراً تابعاً لآثارهم قدماً فقدماً ) عليك ( على وجه التفصيل ) نبأهم بالحق ) أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصاً ملتبساً بباطل : زيادة أو نقص ، فكأنه قيل : ما كان نبأهم ؟ فقال تعالى : ( إنهم فتية ) أي شبان ) ءامنوا بربهم ( المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم ، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة .
ولما دل على الإحسان باسم الرب ، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى ، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفاً على ما تقيدره : فاهتدوا بإيمانهم : ( وزدناهم ( بعد أن آمنوا ) هدى ( بما قذفنا في قلوبهم من المعارف ، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب ، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه ) وربطنا ( بما لنا من العظمة ) على قلوبهم ) أي قويناها ، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد ، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة ) إذ قاموا ( لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس ) فقالوا ( مخالقين لهم : ( ربنا ( الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا ، هو ) رب السماوات والأرض ) أي موجدهما ومدبرهما ) لن ندعوا من دونه إلهاً ( بعد أن ثبت عجز كل من سواه ، والله ) لقد قلنا إذاً ) أي إذا دعونا من دونه غيره ) شططاً ) أي قولاً ذا بعد مفرط عن الحق جداً ؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططاً بأنه لا دليل عليه ، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها : ( هؤلاء ( وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذاً له من ششرك الجهل ، وبين المشار إليهم بقولهم : ( قومنا ) أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا ) اتخذوا ) أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى ) من دونه ءالهة ( أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان ؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل ، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع : ( لولا ) أي هلا ) يأتون ( الآن .