كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 454
ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتاً أن يبخع نفسه ، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال : ( وتحسبهم أيقاظاً ( لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها ، ولكثرة حركاتهم ) وهم رقود ونقلبهم ( بعظمتنا في حال نومهم تقليباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم ) ذات ) أي في الجهة التي هي صاحبة ) اليمين ( منهم ) وذات الشمال ( لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث ) وكلبهم باسط ( وأعمل اسم الفالع هذا ، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال : ( ذراعيه بالوصيد ) أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب ، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد .
ولما كان هذا مشوقاً إلى رؤيتهم ، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى : ( لو اطلعت عليهم ( وهم على تلك الحال ) لوليت منهم فراراً ) أي حال وقوع بصرك عليهم ) ولملئت ( في أقل وقت بأيسر أمر ) منهم رعباً ( لما ألبسهم الله من الهيبة ، وجعل لهم من الجلالة ، وتدبيراً منه لما أراد منهم ) وكذلك ( بما لنا من العظمة ) ليتساءلوا ( وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور .
ولما كان المراد تساؤلا عن إخبار لا تعدوهم قال تعالى : ( بينهم ) أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيماناً ، وثباتاً وإيقاناً ، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة ، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا ، ولا قدرة لأحد سوانا ، وأن قدرتنا تامة ، وعلمنا شامل ، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات ، وأراهم البينات ، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة ، فإن اعترفوا به لزمهم جميعاً الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان ، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم ، لا بإنزال الآيات المقترحات .
ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال : ما كان تساؤلهم ؟ أجيب بقوله تعالى : ( قال قائل منهم ( مستفهماً من إخوانه : ( كم لبثتم ( نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم ، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من

الصفحة 454