كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 462
المرفق بعد قوله ) إذ أوى الفتية ( المختوم بقولهم ) وهيئ لنا من أمرنا رشداً ( فقال بياناً لإجمال ) سنين عدداً ( محققاً لقوله تعالى : ( قل الله أعلم بما لبثوا ( : ( ولبثوا في كهفهم ( نياماً ) ثلاث ) أي مدة ثلاث ) مائة سنين ( شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال ، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق ، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم .
ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال : ( وازدادو تسعاً ) أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر ، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة ، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها عنها كانت تسع سنين ، وكأن مدة لبثتم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر ، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول : فإن قال أحد غير هذا فما يقال له ؟ ) قل الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) أعلم ( منكم ) بما لبثوا ( ثم علل ذلك بقوله تعالى : ( له ) أي وحده ) غيب السماوات والأرض ( يعلمه كله على ما هو عليه ، ولا ينسى شيئاً من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر ، ولا يعجز عن شيء من الآتي ، فلا ريب فيما يخبر به .
ولما كان السمع والبصر مناطي العلم ، وكان متصفاً منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره ، عجب من ذلك بقوله تعالى : ( أبصر به وأسمع ( ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك ، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا جهته فقال تعالى : ( ما لهم ) أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف ) من دونه ( وأعرق بقوله تعالى : ( من ولي ( يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به ) ولا يشرك ) أي الله ) في حكمه أحداً ( فيفعل شيئاً بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقة .
ولما تقرر أنه لا شك في قوله : ولا يقدر أحد أن يأتي بما يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصاً بتمام العلم وشمول القدرة ، حسن تعقيبه بقوله عطفاً على ) قل لله أعلم ( : ( واتل ) أي اقرأ على وجه الملازمة ) ما أوحي إليك ( وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه وتعالى ) من كتاب ربك ( الذي أحسن تربيتك ف يقصة أهل الكهف وغيرها ، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم .

الصفحة 462