كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 472
ونضرتها ، واختلابها للنفوس ببهجتها ، واستيلائها على الأهواء بزهرتها ، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها ، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها ، أفرح ما كانوا بها ، وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد أخرى ، على مر الأيام وكر الشهور ، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور ، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن ، والكيس الفطن ، رغبة إلى الباقي الذي يدوم سروره ، ويبقى نعيمه وحبوره ، وذلك المثل ) كماء أنزلناه ( بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله ، وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله ، وقال : ( من السماء ( تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع ) فاختلط ) أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط ) به نبات الأرض ) أي التراب الذي كان نباتاً ارفت بطول العهد في بطنها ، فاجتمع بالماء والتفّ وتكاثف ، فهيأنا بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه ) فأصبح هشيماً ) أي يابساً مكسراًمفتتاً ) تذروه ) أي تثيره وتفرقه وتذهب به ) الرياح ( حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن ) وكان الله ) أي المختص بصفات الكمال ) على كل شيء ( من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة ) مقتدراً ( أزلاً وأبداً ، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث .
ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال ، وشيكة الارتحال ، مع كثرة الأنكاد ، ودوام الأكدار ، من الكد والتعب ، والخوف والنصب كالزرع سواءن تقبل أولاً في غاية النضرة والبهجة ، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئاً فشيئاً ، ثم تأخذ في الانتقاض والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء ، فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها ، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلاً عن أن يكاثر بها غيره ، قال تعالى : ( المال والبنون ( الفانيان الفاسدان وهما أجلّ ما في هذه الدار من متاعها ) زينة الحياة الدنيا ( التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان حقيقاً لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها ، وأنتم تعلمون ما في تحصيلهما من التعب ، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب ، وهما مع ذلك قد يكونان خيراً إن عمل فيهمابما يرضي الله ، وقد يكونان شراً ويخيب الأمل فيهما ، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره ، وسوء حياته وضرره ) والباقيات الصالحات ( وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا
77 ( ) لنبلوهم

الصفحة 472