كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 476
ولما كان أكثر الجن مفسداً ، رجوعاً إلى الأصل الذي هو النار المحرقة لما لاصقها ، المفسدة له ، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى : ( ففسق ) أي خرج ، يقال : فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد .
) عن أمر ربه ) أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه ، وغير ذلك من اصطناعه ، في شأن أبيكم ، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم ، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء ، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً ، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً ، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت ، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد : ( أفتتخذونه ) أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه ) وذريته ( شركاء لي ) أولياء ( لكم ) من دوني ) أي اتخاذ مبتدئاً من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي ، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة ، ولو كان المعنى : من دون - أي غير - اتخاذي ، لأفاد الاستقلال فقط ، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعاً ، وأنا وليكم المفضل عليكم ) وهم لكم ( ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول ، أغنى عن صيغة الجمع فقال : ( عدو ( إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد .
ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم ، وصل به قوله تعالى : ( بئس ( وكان الأصل : لكم ، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى : ( للظالمين بدلاً ( إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي .
الكهف : ( 51 - 52 ) ما أشهدتهم خلق. .. . .
) مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ( ( )
ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به ، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة ، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في ) دوني ( لذلك : ( ما أشهدتهم ) أي إبليس وذريته ) خلق السماوات والأرض ( نوعاً من أنواه الإشهاد ) ولا خلق أنفسهم ( إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً ) وما كنت ) أي أزلاً وأبداً متخذهم ، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به ، لأنه مع عدم نفعه يضر ، فقال تعالى : ( متخذ المضلين عضداً ( إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات إسلام

الصفحة 476