كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 477
أحد ، فإن من علم فيه خيراً أسمعه ، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين .
ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك ، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ، فقال تعالى عاطفاً على ) إذ قلنا ( عادلاً إلى مقام الغيبة ، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى
77 ( ) وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا ( ) 7
[ الكهف : 48 ] في حجب الجلال والكبرياء ، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة : ( ويوم ) أي واذكر يوم ) يقول ( الله لهم تهكماً بهم : ( نادوا شركاءي ( وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها ، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى : ( الذين زعمتم ( أنهم شركاء ) فدعوهم ( تمادياً في الجهل والضلال ) فلم يستجيبوا لهم ) أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم .
ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم ، قال في مظهر العظمة : ( وجعلنا بينهم ) أي المشركين والشركاء ) موبقاً ) أي هلاكاً أو موضع هلاك ، فاصلاً حائلاً بينهم ، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً ، لا يشذ عنه منهم أحد ، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى
77 ( ) فزيلنا بينهم ( ) 7
[ يونس : 28 ] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة ، ومثل قوله تعالى
77 ( ) ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار ( ) 7
[ الأعراف : 38 ]
77 ( ) هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ( ) 7
[ النحل : 86 ] ونحوه ، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى
77 ( ) ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ( ) 7
[ العنكبوت : 25 ] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك ، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه ، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب ، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وقال الحسن البصري : عداوة .
وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة ، ولها أحد عشر تركيباً : واحد يائي : بقي ، وستة واوية : قبو ، قوب ، بقو ، بوق ، وقب ، وبق ، وأربعة مهموزة : قبأ ، قأب ، بأق ، أبق - كلها تدور على الجمع ، وخصوصاً ترتيب وبق يدور على الحائل بين شيئينن ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو فعلاً ، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان الحائل موتاً ، وبالقوة

الصفحة 477