كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)
صفحة رقم 482
) إذ ) أي حين ) جاءهم الهدى ( بالكتاب على لسان الرسول ، وعطف على المفعول الثاني - معبراً بمثل ما مضى لما مضى - قولَه تعالى : ( ويستغفروا ربهم ) أي المحسن إليهم .
ولما كان الاستثناء مفرغاً ، أتى بالفاعل فقال تعالى : ( إلا أن ) أي طلب أن ) تأتيهم سنة الأولين ( في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم ، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال ، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكاً ، وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبراً ، أي مستوراً ) أو ( طلب أن ) يأتيهم العذاب قبلاً ) أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له ، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح ، من قولهم : لقيت فلاناً قبلاً ، أي معاينة ، وكذا في قراءة من ضمهما ، من قولهم : أنا آيتك قبلاً لا دبراً ، أي مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك ، قال تعالى :
77 ( ) إن كان قميصه قدَّ من قبل ( ) 7
[ يوسف : 26 ] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة ، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاً ونوعاً نوعاً ، وقد مضى في الأنعام بيانه ، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين ، فمعناه : من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها
77 ( ) فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك ( ) 7
- إلى قوله تعالى :
77 ( ) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ( ) 7
[ الإسراء : 92 ] الآية وهذه الآية من الاحتباك : ذكر ) سنة الأولين ( أولاً يدل على ضدها ثانياً ، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساواة أولاً .
ولما كان ذلك ليس إلى الرسول ، إنما هو إلى الإله ، بينه بقوله تعالى : ( وما نرسل ( على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها ) المرسلين إلا مبشرين ( بالخير على أفعال الطاعة ) ومنذرين ( بالشر على أفعال المعصية ، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر ) ويجادل الذين كفروا ) أي يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا ) بالباطل ( من قولهم : لو كنتم صادقين لأتيتم بما نكلب منكم ، مع أن ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء ) ليدحضوا ) أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا ) به الحق ( الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم .
ولما كان لكل مقام مقال ، ولكل مقال حد وحال ، فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال ، وكان اتخاذ الاستهزاء أمراً واحداً ، أتى به ماضياً فقال تعالى : ( واتخذوا ) أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا ) ءاياتي ( بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح ) وما أنذروا ( من آياتي ، بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار ) هزواً ( مع بعدهما جداً عن ذلك ، فلا بالرغبة أطاعوا ، ولا للرهبة ارتاعوا ، فكانوا شراً من البهائم .