كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 486
ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتاً وحسداً ( لو كان نبياً ما قال : أخبركم غداً وتأخر عن ذلك ) بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر ، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهما السلام ، فقال تعالى عاطفاً على قوله سبحانه ) وإذ قلنا للملائكة ( : ( وإذ ) أي واذكر لهم حين ) قال موسى ) أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل ، أي قوله الذي كان في ذلك الحين ) لفتاه ( يوشع بن نون عليهما السلام : ( لا أبرح ) أي لا أزال سائراً في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي ) حتى أبلغ مجمع البحرين ) أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي ، فتعينت البداءة به فألقاه ثَمّ ) أو أمضي حقباً ( إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعداً لي في لقائه ؛ والحقب - قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى .
وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون ، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب ، فسارا وتزودا حوتاً مشوياً في مكتل كما أمر به ، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع ) فلما بلغا مجمع بينهما ) أي البحرين ، فلم يكن هناك بين أصلاً لصيرورتهما شيئاً واحداً ) نسيا حوتهما ( فلم يعلم موسى عليه السلام فنسي شيئاً من حاله ونسي أن يسأل عنه ، وعلم يوشع عليه السلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له ) فاتخذ ) أي الحوت معجزة في معجزة ) سبيله ) أي طريقه الواسع الواضح ) في البحر سرباً ) أي خرقاً في الماء غير ملتئم ، من السرب الذي هو جحر الوحشين والحفير تحت الأرض ، والقناة يدخل منها الماء الحائطز وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء ، فصار طاقاً لا يلتئم .
ويوشع عليه السلام ينظر ذلك ، وكأن المجمع كان ممتداً ، فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار ) فلما جاوزا ) أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب ، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمربه معجزةً أخرة ، فلما جاع وتعب ) قال لفتاه ءاتنا ) أي أحضرلنا ) غداءنا ) أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء ، ولذلك وصل به قوله تعالى : ( لقد لقينا من سفرنا ) أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة ، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى : ( هذا نصباً ( وكان الحوت زادهم فلم يكن معه ، فكأنه قيل : فما كان عن أمره ؟ فقيل : ( قال ( لموسى عليه السلام معجباً له : ( أرءيت ( ما دهاني ؟ ) إذ أوينا إلى الصخرة ( التي بمجمع البحرين ) فإني ) أي بسبب أني ) نسيت الحوت ) أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك ؛ ثم زاد

الصفحة 486