كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 4)

صفحة رقم 508
يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره ؛ ولما كان ذلك أمراً عظيماً ، دل عليه بالنون فقال عاطفاً على تقديره : فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان ، وصدق في قوله ) فإذا جاء وعد ربي ( فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال : ( وتركنا بعضهم ) أي بعض من خلف السد ومن أمامه ) يومئذ ) أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم بالشام وساقتطهم بخراسان ، وهم - كما قال الله تعالى - ) من كل حدب ينسلون ( .
) يموج ) أي يضطرب ) في بعض ( كما يموج البحر ، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ما اراد الله ، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين ) ونفخ في الصور ) أي النفخة الثانية لقوله : ( فجمعناهم ( ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى ، أو وانفخ في الصور فمات الخلائق كلهم ، فبليت أجسامهم ، وتفتت عظامهم ، كما كان من تقدمهم ، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه ، وتفرقهم في اقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك ) جمعاً ( فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر ، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب ) وعرضنا ) أي أظهرنا ) جهنم يومئذ ) أي إذ جمعناهم لذلك ) للكافرين عرضاً ( ظاهراً لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفاً ؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال : ( الذين كانت ( كوناً كأنه جبلة لهم ) أعينهم ( الوجهية و القلبية ) في غطاء عن ذكري ( بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلاً على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه ) وكانوا ( بما جبلناهم عليه ) لا يستطعون ) أي استطاعة عظيمة تسعدهم ، لضعف عقولهم ، وغرق استبصارهم في فضولهم ) سمعاً ( لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه ، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع ، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة ؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك قوله موبخاً لهم ومبكتاً : ( أفحسب ) أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتين وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم ، وإنما قال : ( الذين كفروا ( دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك ) أن يتخذوا ) أي ولو بذلوا الجهد ) عبادي ( من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح ، والأموات كالأصنام .
ولما كان كل شيء دونه سبحانه ، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته من المراتب ، أثبت الجار فقال : ( من دوني أولياء ) أي مبتدئين اتخاذهم من دون إذني ، والمفعول الثاني ل ) حسب ( محذوف تقديرهك ينصرونهم ويدفعون عنهم

الصفحة 508