كتاب المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (اسم الجزء: 4)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تنبيه:
الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب بأعمالها، للارتباط الذي بين الباطن والظاهر. والقلب مع الجوارح كالملك مع الرَّعية؛ إن صلح صلحت، ثم يعود صلاحها (¬1) عليه بزيادة مصالح ترجع إليه. ولذلك قيل: الملك سوق، ما نفق عنده جلب إليه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الرَّجل ليصدق فينكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الرَّجل ليكذب الكذبة فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذابًا) (¬2). وفي الترمذي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعًا: (إن الرَّجل ليصيب الذنب، فيسودّ قلبه، فإن هو تاب صقل قلبه) قال: وهو الرَّان الذي ذكر الله تعالى في كتابه: {كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَا كَانُوا يَكسِبُونَ} (¬3) وقال مجاهد: القلب كالكف تقبض منه بكل ذنب أصبع، ثم يطبع. وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد) متصلًا بقوله: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن) إشعارًا بأن أكل الحلال ينوِّره، ويُصلحه، وأكل الحرام والشبهة يفسده، ويقسيه، ويظلمه. وقد وجد ذلك أهل الورع، حتى قال بعضهم: استسقيت جنديًا فسقاني شربة ماء، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا. وقيل: الأصل المصحِّح للقلوب والأعمال: أكل الحلال. ويخاف على آكل الحرام، والمتشابه، ألا يقبل له عمل، ولا تسمع له دعوة. ألا تسمع قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ} وآكل الحرام، المسترسل في الشبهات ليس بمتق على الإطلاق. وقد عضد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر
¬__________
(¬1) في (ج 2): تعود مصالحها.
(¬2) رواه أحمد (3/ 87)، والترمذي (2191)، وابن ماجه (4007).
(¬3) رواه الترمذي (3334)، وابن ماجه (4244).