كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية (اسم الجزء: 4)

فَهْدٍ (1) و ((أَنْوَمُ من عَبُّودٍ (2))) و ((نَؤُومٌ)) على اعتبار الكثرة أو الطُّول، أو كما قالوا: ما أَضْرَبَهُ، وما أَمْشَاهُ، على معنى الكثرة/، ولذلك جاء: ضَرَّابٌ وَشَّاءٌ. ... 535
فإذا ثَبت استعمالُهم لذلك جاز لنا التعجب على ذلك المعنى المستعمَل، وإلاَّ لم يَجُزْ، فصار إذاً (ما أَمْوَتَ كذا) - بمعنى: ما أَشَدَّ، أو أَكْثَر، أو نحوهما- مهملاً، لإهمال الفعل الذي يُبنى منه، فإذا قُصِد قَصْدُه (3) أُتَىِ بما يدل على معناه، وهو (أَشَدُّ) أو نحوه، فـ (أَشَدُّ) ونحوه إذاً إنَّما ناب عن فِعْل بمعناه، فلذلك عَبَّر الناظم بعبارة ((يَخْلُفُ)).
ولم يَقصد النحويون قَطُّ بالإتيان بـ (أَشَدَّ) ونحوه أن يَدُلَّ على معنى مالا يُتعجَّب منه، وهذا المعنى جارٍ في غير هذا الموضع من الشروط المذكورة، وهو مما نَبَّه على أصله بعضُ المتأخِّرين قال: المعتبَر فيما يجوز التعجُّب منه ومالا يجوز إنَّما هو مدلولُ اللَّفْظة، فأما أن يقال: ما أَفْعَلَ كذا، بمعنى: ما أَكْثَرَ فِعْلَهُ- فتحريفٌ لا يَسُوغ، فليس ما جاز فيه (ما أَكْثَرَ كذا) يجوز فيه (ما أَفْعَلَهُ).
والدليل على ذلك أنهم لا يقولون: ما أَعْمَى زيداً؛ لأجل فساد معناه، فإنْ فَرضْتَ أن يكون (العَمَى) في بلدٍ ما كثيراً شائعاً، أو غيرُه من
_______________
(1) الدرة الفاخرة 2/ 400، والعسكري 2/ 318، والميداني 2/ 355. قال حمزة الأصبهاني: ((لأن الفهد أنوم الخلق، وليس نومه كنوم الكلب، لأن الكلب نومه نعاس، والفهد نومه مصمت)).
(2) الدرة الفاخرة 2/ 402، والفاخر 135، والعسكري 2/ 319، والميداني 2/ 355. وكان عبّود عبداً حطاباً أسود، فغبر في محتطبه أسبوعاً لم ينم، ثم انصرف فبقي أسبوعاً نائماً، فضرب به المثل عن ثقل نومه، فقالوا: ((قد نام نومة عبود)).
(3) يقال: قَصَدَ قَصْدَه، أي نحا نَحوه.

الصفحة 490