كتاب شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية (اسم الجزء: 4)

ولكن نقول: إن كان قد مال إلى القول بالفاعليَّة فقد رَجحَّه الناس بأمور، أحدها التعلُّق بكلام سيبويه (1) مع موافقته للمعنى، فإنك إذا قلت: (نَعْمَ ما صَنَعْتَ) فمعناه: نعم الشِيءُ صنعتَ، وفي {إَنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (2)} معناه: فنعم الشِيءُ إبداؤها.
قال ابن خروف (3): وتكون ((ما)) تامَّةً مَعْرفة بغير صِلَة، نحو: دققتُه دَقاً نِعِمَّا. قال سيبويه: أي نعم الدَّقُّ (4)، و {نِعِمَّا هِيَ} أي نعم الشيءُ إبداؤُها، و: نعم ما صنعتَ، وبِئْسَمَا صنعتَ، أي نعم الشيءُ صنعتَ. هذا قول ابن خروف معتمِداً على كلام سيبويه.
وسَبقه إلى ذلك السِّيرافيُّ (5)، وجعل نظيرَ ((ما)) هنا/ قولَ العرب: إنِّي مِمَّا أَنْ أَصْنَعَ، ... 548 أي من الأمر أَنْ أصنعَ، فجعل ((ما)) وحدها في موضع ((الأَمْر)) ولم يصلها بشيء. وتقدير الكلام [إنِّي من الأَمْر] (6) أي من الأَمْر صُنْعِي كذا، فالياء اسم ((إنَّ)) ((وصنعي)) مبتدأ، و ((من الأمر)) خبرُ ((صُنْعِي)) والجملة في موضع خير ((إنَّ)).
وهذا موافق لكلام سيبويه، إذ قال (7): ونظير جَعْلَهم ((ما)) وحدهَا اسماً قولُ العرب: إنِّي مِمَّا أَنْ أصنعَ، أي من الأمر أن أصنعَ، فجعلوا
_______________
(1) الكتاب ب 2/ 175 فما بعدها.
(2) سورة البقرة/ آية 271.
(3) انظر: التصريح 2/ 97.
(4) الكتاب 1/ 73، حيث يقول: ((ونظير جعلهم ((ما)) وحدها اسما قول العرب: إني مِمَّا أن أصنع، أي من الأمر أن أصنع، فجعُل ((ما)) وحدها اسما. مثل ذلك: غسلته غَسْلا نِعمَّا، أي نعم الغَسْل)).
(5) السيرافي (ورقة: 183 - أ).
(6) ما بين الحاصرتين زيادة من (ت، س).
(7) الكتاب 1/ 73.

الصفحة 523