كتاب منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول (ص) (اسم الجزء: 4)
فأكرموا كريمهم- يعني: محسنهم- وتجاوزوا عن مسيئهم» .
ثمّ قال [صلّى الله عليه وسلّم] : «إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا وبين ما عند الله.. فاختار ما عند الله» ، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وظنّ أنّه يريد نفسه.
فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «على رسلك يا أبا بكر،..
لا يلحقهم فيه اللّاحق، ولا يدرك شأوهم السّابق (فأكرموا كريمهم» - يعني:
محسنهم- وتجاوزوا عن مسيئهم» ) في غير الحدود. (ثمّ قال:
«إنّ عبدا خيّر) - من التّخيير- (بين الدّنيا وبين ما عند الله) في الآخرة؛ (فاختار) ذلك العبد (ما عند الله» . فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وظنّ) ؛ أي: فهم (أنّه) ؛ أي: النّبيّ صلى الله عليه وسلم، (يريد) بهذا الكلام (نفسه) صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه: فديناك بابائنا وأمّهاتنا.
قال الرّاوي: فعجبنا لبكائه! وقال النّاس: متعجّبين: انظروا إلى هذا الشّيخ؛ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيّره بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا؛ وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بابائنا وأمّهاتنا!؟.
قال الرّاوي: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به؛ ذكره في البخاري.
(فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «على رسلك؛ يا أبا بكر) تسلية له، إذ خفي المعنى على كثير ممّن سمع كلامه، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصّيص به؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار، وكان أعلم الأمّة بمقاصد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى؛ وقال «بل نفديك بأموالنا؛ وأنفسنا؛ وأولادنا» .
فسكّن الرسول صلى الله عليه وسلم جزعه، وأخذ في مدحه، والثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله؛ فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» .