كتاب منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول (ص) (اسم الجزء: 4)

بالكوفة- ...
فإن قلت: كثير من الصّحابة لم يوجد منهم سجود لصنم، كالعبادلة ابن عبّاس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزّبير، وغيرهم، ومع ذلك لا يقول النّاس فيهم ذلك؟ بل التّرضي كغيرهم!!.
قلت: هؤلاء ونظراؤهم إنّما ولدوا بعد اضمحلال الشّرك، وخمود نار الضّلالة والفتنة، فلم يشابهوا ذينك الإمامين؛ من تركهما أكبر فتن الشّرك من السّجود للصّنم، مع دعاية أهله للنّاس لذلك، ومبالغتهم في إيذاء من ترك ذلك، وكان في التّرك حينئذ مع مخالفة الآباء والأقارب، وتحمّل المشاقّ الّتي لا تطاق من الدّلالة على الصّدق؛ ما ليس فيه بعد ظهور الإسلام وزهوق الضّلال؛ فناسب حالهما أن يميّزا عن بقيّة الصّحابة بهذه الخصوصيّة العظمى رضي الله تعالى عنهما وكرّم وجهيهما. انتهى؛ نقلته من هوامش كتاب «إرشاد المهتدي إلى كفاية المبتدي» للشّيخ العلّامة عبد الحميد بن محمّد علي قدس المكيّ رحمه الله تعالى. آمين.
(بالكوفة) : مدينة كبرى بالعراق؛ وهي قبّة الإسلام، ومركز العلم، ودار هجرة المسلمين. قيل: مصّرها سعد بن أبي وقّاص، وبنى مسجدها، وكانت قبل ذلك منزل نوح عليه السلام، ويقال لها: كوفان. ويقال لها: كوفة الجند!! لأنّها اختطّت فيها خطط العرب أيام عثمان رضي الله عنه أو أيّام عمر رضي الله عنه.
تولّى تخطيطها السّائب بن الأقرع بن عوف الثّقفي رضي الله عنه، وهو الّذي شهد فتح نهاوند مع النّعمان بن مقرّن. قال ياقوت: لما بنى عبيد الله بن زياد مسجد الكوفة صعد المنبر؛ وقال: يا أهل الكوفة؛ إنّي قد بنيت لكم مسجدا لم يبن على وجه الأرض مثله، وقد أنفقت على كلّ أسطوانة: سبع عشر مائة، ولا يهدمه إلّا باغ؛ أو حاسد.
ويقال: إنّ مقدار الكوفة ستّة عشر ميلا وثلثا ميل، وأنّ فيها خمسين ألف دار للعرب؛ من ربيعة ومضر، وأربعة وعشرين ألف دار لسائر العرب، وستّة وثلاثين ألف دار لليمن، والحسناء لا تخلو من ذامّ.

الصفحة 282