كتاب منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول (ص) (اسم الجزء: 4)
.........
قال الكرمانيّ: فإن قلت: ليس فيها أنّه صلى الله عليه وسلم قد مات؟ وأجاب: بأنّ أبا بكر تلاها لأجل أنّه صلى الله عليه وسلم قد مات.
وفي حديث ابن عمر؛ عند ابن أبي شيبة: أنّ أبا بكر مرّ بعمر وهو يقول:
ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت، حتّى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار وفرحوا بموته؛ ورفعوا رؤسهم.
فقال أبو بكر لعمر: أيّها الرّجل؛ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، ألم تسمع الله تعالى يقول إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وقال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) [الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المنبر فصعد عليه، فحمد الله، وأثنى عليه، فذكر خطبته: أمّا بعد؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإنّ الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [144/ آل عمران] الآية.
وفي البخاري أنّ عمر قال: والله؛ ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتّى ما تقلّني رجلاي، وحتّى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد مات..
وفي هذا أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، إذ قال أكثر النّاس:
لم يمت رسول الله.
واضطرب الأمر فكشفه الصّدّيق بهذه الآية، وكشف عن النّاس اضطرابهم.
ففيه قوّة جأشه، وكثرة علمه، وثباته، وهو المحبّ الأكبر للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد وافقه على ذلك العبّاس- كما تقدّم- ووافقه المغيرة؛ كما رواه ابن سعد، وابن أمّ مكتوم كما في «مغازي أبي الأسود» ؛ عن عروة، قال: إنّ ابن أمّ مكتوم كان يتلو إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) [الزمر] ، والنّاس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصّحابة على خلاف ذلك.