كتاب منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول (ص) (اسم الجزء: 4)

انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصّفة، وجللت عن البكاء، وخصّصت حتّى صرت مسلاة، وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء، ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك؛ لجدنا لحزنك بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء العيون.
وعند ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر: فوضع أبو بكر فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقبّله، ويبكي، يقول: بأبي أنت وأمّي؛ طبت حيّا وميتا.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاته؛ فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبيّاه، واصفيّاه، واخليلاه!! أخرجه الحسن بن عرفة بن يزيد العبديّ؛
أبو علي البغداديّ، الصّدوق؛ المتوفّى سنة: سبع وخمسين ومائتين؛ وقد جاوز المائة. ذكره الطّبريّ في «الرّياض النّضرة» قال:
ولا تخالف بين هذا- على تقدير صحّته- وبين ما تقدّم؛ ممّا تضمّن ثبات أبي بكر الصّدّيق، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق؛ خافتا بها صوته، ثمّ التفت إليهم وقال ما قال.
(انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء) قبلك، وهو النّبوّة والرّسالة، لأنك آخر الأنبياء، (فعظمت عن الصّفة) ؛ أي: النّعت، أي: إنّ كلّ صفة تقصر عنك، (وجللت عن البكاء) لأنّه لا يوازيك، (وخصّصت حتّى صرت مسلاة) ؛ أي: بحيث يتسلّون بك، (وعمّمت حتّى صرنا فيك سواء.
ولولا أنّ موتك كان اختيارا منك) إذ خيّرت بينه وبين الخلد (لجدنا- لحزنك- بالنّفوس، ولولا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا) : أفنينا (عليك ماء الشّؤون) ؛

الصفحة 293