كتاب فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري (اسم الجزء: 4)

آخره: ارتأى رجلٌ برأيه ما شاء. يعني عمر، كذا في الأصل أخرجه مسلم عن محمّد بن حاتم عن وكيع عن الثّوريّ عنه.
وقال ابن التّين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان.
وأغرب الكرمانيّ فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أنّ المراد به عثمان، وكأنّه لقرب عهده بقصّة عثمان مع عليّ (¬1) جزم بذلك، وذلك غير لازم فقد سبقت قصّة عمر مع أبي موسى (¬2) في ذلك.
¬__________
(¬1) قصّة علي وعثمان. أخرجها البخاري (1569) ومسلم (1223) سعيد بن المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا أن رأى عليٌ ذلك، أهلَّ بهما جميعاً. وأخرجاها من طرق أخرى.
فائدة:
قال الشارح في الفتح (3/ 425): تنبيه: ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتع دليلا لمسألة إتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول. فقال: وفي الصحيح أنَّ عثمان كان نهى عن المتعة. قال البغوي: ثم صار إجماعاً.
وتعقب: بأنَّ نهيَ عثمان عن المتعة. إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج فلم يستقر الإجماع عليه , لأنَّ الحنفية يخالفون فيه , وإن كان المراد به فسخ الحج إلى العمرة فكذلك , لأنَّ الحنابلة يخالفون فيه , ثم وراء ذلك أن رواية النسائي السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي فلا يصح التمسك به , ولفظ البغوي بعد أن ساق حديث عثمان في " شرح السنة " هذا خلاف علي , وأكثر الصحابة على الجواز , واتفقت عليه الأئمة بعد فحمله على أن عثمان نهى عن التمتع المعهود.
والظاهر أنَّ عثمان ما كان يبطله , وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه , وإذا كان كذلك فلم تتفق الأئمة على ذلك فإن الخلاف في أي الأمور الثلاثة أفضل باق والله أعلم , وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهداً آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإمام إذ ذاك. والله أعلم الحديث
(¬2) قصة أبي موسى مع عمر. أخرجها البخاري (1724) ومواضع أخرى. ومسلم (1221) عن طارق بن شهاب عن أبي موسى، قال: قدمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم، فقال: بِمَ أهللت؟ قال قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقد أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، وأحلَّ , قال: فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس فَفَلَتْ رأسي، ثم أهللت بالحج , قال: فكنت أفتي به الناس، حتى كان في خلافة عمر - رضي الله عنه -، فقال له رجل: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس، مَن كنا أفتيناه فتيا فليتَّئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، قال: فقدم عمر - رضي الله عنه -، فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَم يحل حتى بلغ الهدي محله.

الصفحة 558