كتاب فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (اسم الجزء: 4)

الأشياء التي استأجرها فإن الإنسان إذا استأجر بيتًا أو استأجر سيارة يملك منافعها أو حقوقًا كحق الشفعة مثلاً، فالمال شامل لهذا كله، وقوله: "قط" هذه ظرف لما مضى وهو مبني على الضم في محل نصب، وتأتي غالبًا بعد النفي، فيقال: ما ملكته قط، وهنا قال: "لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه" أنفس بمعنى: أغلى وأحب، والمال النفيس هو: المال الذي كون محبوبًا عند الناس وغالبًا في نفوسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مشيرًا عليه: «إن شئت حبست أصلها»، ولم يقل: أحبس أصلها، لئلا يظن عمر رضي الله عنه أن هذا على سبيل الوجوب، بل قال له: «إن شئت حبست أصلها» يعني: وقفته «لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدقت بها» أي: بثمرها، كما جاء رواية أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يكون المراد تصدقت بالأصل؛ لأن قوله: "حبست أصلها" لا يتطابق مع قوله: "تصدقت"؛ لأن التصدق ينافي الحبس أو التحبيس، ولهذا نقول! تصدقت بها أي: بثمرها كما جاء مفسرًا في رواية أخرى، قال: فتصدق بها عمر، أي بالثمر، قال: أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب؛ لأن هذا هو معنى الحبس، لا يباع الأصل، ولا يوهب، ولا يورث، والفرق بين البيع والهبة: ظاهر البيع عقد معاوضة، يعني: أنك تعطي الشيء وتأخذ بدله، مثل أن أقول: بعت عليك هذه السيارة بعشرة آلاف، هذا عقد معاوضة، أما الهبة فهي عقد تبرع، بمعنى: أن تبذل المال ولا تأخذ عوضًا عنه، قال: "ولا يورث"، يعني: الأصل لا يورث والإرث: انتقال التركة من الميت إلى من يرثه، وعلى هذا فلا تدخل هذه الأرض في ملك عمر الذي يرثه من بعده ورثته.
"فتصدق بها في الفقراء": هذا بيان لمصارف الوقف الذي وقفه عمر، ويدخل في هذا المساكين، وهم الذين لا يجدون الكفاية، وكذلك يدخل فيه المغارمون، وهم الذين لا يجدون ما يوفون به ديونهم.
والثاني: "ذي القربى": أختلف شراح الحديث في المراد بها، فقيل المراد: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد: قربى عمر، وهذا هو الصحيح.
"وفي الرقاب"، يعني: العبيد يشترون من مغلة هذا الوقف ويعتقون أو عبيد مكاتبون، والعبد المكاتب هو: الذي اشترى نفسه من سيده بثمن مؤجلٍ، فهنا نعطيهم من حق الرقاب ما يوفون به كتابتهم. إذن الرقاب يشمل العبيد والمكاتبين، العبيد بمعنى: أن نشتري عبيدًا فنعتهم، والمكاتبين هم: الذين اشتروا أنفسهم من سادتهم، فنعطيهم معونة تفي بدين الكتاب، ويدخل في ذلك فك الأسرى المسلمين من الكفار، يعني: لو أن الكفار أسروا أحدًا من المسلمين، وأعطيناه من هذا المال الذي تصدق به عمر لكان هذا صحيحًا كما نعطيهم من الزكاة.

الصفحة 282

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text