كتاب فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (اسم الجزء: 4)
النهي ليس فيه استثناء، وإذا لم يكن فيه استثناء فالأصل العموم، فالأب لا يزوج ابنته البكر إلا بإذنها ولا الثيب إلا بإذنها كغيره من بقية الأولياء.ويُستفاد من هذا الحديث بالقياس: اشتراط رضا الزوج، وأنه لو زوج عن إكراه فإن النكاح لا يصح، وهل يمكن أن يزوج عن إكراه؟ يمكن، لأن بعض الناس يُجُبر ابنه على أن يتزوج بنت أخيه -بنت أخ الأب - ويقول: لابد، فإذا أجبره وتزوج ابنة عمه جبرا فإن النكاح لا يصح.
ما تقولون في رجل استأذن ابنته البكر قال: إن فلانا خطبك فهل نزوجك به؟ قالت: نعم أنا لا أطلب إلا مثل هذا الرجل والحمد لله الذي أرشده إلينا هل يزوجها؟ نعم من باب أولى، لكن الظاهرية يقولون: لا يزوجها، لماذا؟ لأن الرسول قال: «إذنها أن تسكت»، وهذه ما سكتت، هذه امرأة تقول: زوجوني ما نزوجها، والأخرى سكتت نزوجها، أيهما أولى؟ الأولى لو استأذنها أبوها فضحكت أو استأذنها فبكت؟ هذا يُنظر، على كل حال: العلماء اختلفوا، فبعضهم قال: إذا ضحكت فإنه ليس بإذن؛ لأنها قد تضحك تعجبًا من حال أبيها، فيكون الضحك ضحك استنكار وليس ضحك إقرار، ومنهم من قال: إن هذا إذن، لأن الضحك يدل على الانبساط والفرح والسرور فهو أبلغ من السكوت، التي بكت هل هو أقرب للمنع أو للإذن؟ الظاهر أنه للمنع أقرب لكن مع ذلك يقول الفقهاء -رحمهم الله- ولو ضحكت أو بكت فهو إذن، لكن يظهر أنها إذا بكت فإنها لا تريد أن تتزوج، وقد يكون البكاء من الفرح، ولكن الأقرب أنه ليس بإذن، لكن لو قال: أنت لا تبكين ماذا تقولين؟ فسكتت حينئذ يكون إذنا.
الحديث الثاني -حديث ابن عباس - قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «الثيّب أحق بنفسها من وليها» يعني: أنها يُرجع إليها في النكاح، وتُشاور مشاورة دقيقة، فلا يكفي أن يُقال خطبك فلان، فهل تأذنين بالتزويج، لا، فلابد أن تُستأمر ويكشف لها الأمر، فيقال مثلاً: هو شاب أو شيخ عالم أو جاهل، غني أو فقير، ذا شرف أو ليس ذو شرف، يعني: يبين لها الأمر تمامًا؛ لأنها أحق بنفسها، ولهذا لا تزوج حَتَّى تُستأمر، أما البكر يقول: تُستأمر، أي: تُستأذن، والدليل قوله: «إذنها سكوتها»، ولم يقل: وأمرها سكوتها، بل قال: إذنها وهذا التفسير يدل على أن المراد بقوله: