كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
العدى، تناسخها قرون المسلمن منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، منذ أول عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس بها القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا فجأة، صدر شهر رمضان من العام، فصك الأسماع وأطار الأفئدة وزلزل الأرض الأندلسية قاطبة، وصير للكل شغلا تسكع الناس في التحدث به والتسآل عنه والتصور لحلول مثله أياما لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والإسناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل.
ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق، ذيادا [48ب] عن الجماعة، وحوشا إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في