كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
يكرعن فيه بغير مهل، فكبهن للأذقان موتى. وكان الخطب في هذه النازلة أعظم من أن يوصف أو يتقصى.
قال أبو مروان: وبلغني أنه كانت المرأة تطلع من فوق سور المدينة، فتنادي من يدنو اليها من الكفرة عن جرعة ماء لنفسها أو لطفلها، فيقول لها: هاتي ما معك، ألقي إلي ما يرضيني أسقك، فتلقي اليه ما عندها من كسوة أو حلية أو مال، وتدلي نحوه ما حضرها من قربة أو آنية في رشاء، فتغيث به نفسها أو طفلها. وعرف الطاغية ذلك، فنهى رجاله [عنه] وقال: اصبروا وقتا ويؤخذون جملة. وآل بجماعتهم آخرا أن ألقوا إلى المشركين بأيديهم فارين من الظمأ مع أمان، فلما رأى الطاغية كثرتهم وانتشارهم، هاله ذلك وخاف أن تدركهم حمية في استنقاذ أنفسهم، فأمر أصحابه ببذل السيف فيهم ليخفف من أعدادهم، فقتل منهم يومئذ خلق عظيم تحدث أنهم نيفوا على ستة آلاف قتيل. ثم نادى ملكهم برفع السيف عنهم، وأمر جميعهم بالخروج عن المدينة بالأهل والذرية فابتدروا الخروج عنها مزدحمين على أبوابها، فمات منهم في ازدحامهم [ذلك، من الشيوخ والعجائز والأطفال] جماعة، وجعل كثير منهم يتدلون بالحبال من ذرى السور فرارا من ضغط الازدحام على الأبواب، وبدارا إلى شرب الماء، واستمسك في القصبة من وجوه الناس وجلداء فتيانهم نحو سبعمائة رجل، تحصنوا فيها ولاذوا من موت السيف بموت الغلة. ولما برز جميع من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء