كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)

له على نشواته، إلى أن أيقظناه من نوماته؛ يا فلانة - يناديها بلكنته - خذي عودك فغني زائرنا بشجوك؛ قال: فأخذت العود وقعدت تسويه، وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا، فضلا عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه، وأظهر الطرب منه. فلما قطعت ويئست مما عنده، قمت منطلقا عته، واردت لتجارتي سواه، فاطلعت من كثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم [على] ما طال عجبي منه. فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكره لمن تذكره.
قال أبو مروان [ابن حيان] : وقد أفشينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر عليها أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن [50ب] قبلهم من أثارة، ولأشد مما أفشينا عند أولي الألباب ما أخفيناه مما دهانا من داء التقاطع وقد أخذنا بالتواصل والألفة، وأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زمانها، هذا بالإضافة إلى ما عهدناه في القرن الذي سلخناه من آخر أمد الجماعة على إدراك من لحق الذي قبله، فمثل دهرنا هذا فرس بهيم الشية ما إن يباهي بقرحة فضلا عن شدوخ غرة، قد غربل أهليه أشد غربلة فسفسف أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفه أحلامهم

الصفحة 188