كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
يرد رائد مقتض للتراسل، وما أقول إن مخالطة تمكنت [51ب] لا سبب لها، ولا مواسطة تمهدت لا باعث عليها، فإن توق النفس إلى استصفاء الفضلاء، واقتناء مودات الأوفياء، أقوى أسباب الارتباط، وأدعى أبواب الاختلاط، ومحال أن تنجذب نفس، إلى من ليس لها به أنس، أو يكلف ضمير، بمن ليس له منه حظ موفور، وقد تخلت مخاطبتي لك من الأسباب إلا من سبب المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذاهبك ومساعيك، والرغبة في اقتناء خلتك، وادخار صداقتك، لما شهر من أحوالك الجميلة، وظهر من خلالك النبيلة، ومن كان على ما أنت عليه، فمر غوب فيه منجذب إليه، مطلوب إخاؤه، مخطوب صفاؤه، محبوب على البعاد، مفدى حتى من الأضداد.
وفي فصل من أخرى [في مثله] : إن كانت المعرفة لم تحق، فكم أثر أهدى من عين، وكم خبر أغنى عن خبر، لئن كانت الألفة لم تسبق، فرب طارف حديث أكرم من تالد موروث، ورب مستفاد مكتسب، أغبط من عتاد معتقب؛ ووردني لك كتاب [كريم] نطق بلسان تفضلك فأصغى هوى النفس إليه، واستطفى مودات القلوب لديه، وقضى أنك عين الأعيان، وفاضل الزمان، والخاص بنوع الإنسان.