كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)
للمرء أن يقول، وللسان أن يجول، إلا أنه يكتفى بالقليل من الكثير، ويحال على خواطر الضمير.
وله من أخرى: إن أخذت في ذكر فضائلك، أو عطرت كلامي بطيب شمائلك، فلسان الأيام بها أفصح، ولها أشرح، وان عدلت إلى وصف ما أعتقده فيك وأضمره، وأطويه من ودادي لك وأنشره، فشاهد ضميرك به أنطق، وعنه أصدق، فليس إلا الاتفاق والاصطلاح، على ما تتناخى به النفوس والأرواح.
وفي فصل من أخرى: وردني لك كتاب أراني كيف يكون الكلام درا، والبيان سحرا، وبطون المهارق حدائق، وما بين مدب الأقلام بوارق، فلله يد نمنمت وشيه، ونظمت حلية، وقريحة أطلعت أزاهره، ما أطول باعها! وأكثر في فنون الأدب اتساعها! ولله زمان أصحب بعد الامتناع، ووصل بعد الانقطاع، ورفع أعلام السعادة، وبلغ أقصى الآمال والارادة، بورود الكتاب الأثير من شاطبة، وقد تبوأ منها بسطة ذراه، وذكرت أنه وصل اليها على تناه من البهجة، فاتت الظنون، وراقت العيون، وتجاوزت حد [52ب] الجمال، واستوفت غاية الكمال، بالمنظر المعجب، والمرأى المستغرب، الذي لم تفتق الأسماع بمثله، ولا نهضت الأفكار بشكله، والحال مغنية بذاتها، عن صفاتها، فقد رفعها الله عن أن تحيط بها الأوصاف، ومحلها أجل عن أن تصفها الوصاف؛ فإنها نادرة الأيام، وفائدة الزمان، يسير بها الركب، وتحلى بها الكتب، وتدون في صحائف الفخر، وتعمر على مر الدهر، ويبلى العصر، وهي جديدة الذكر.