كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)

بعين التدبر لمعانيه، وجميع ما ضمنته فيه، فوجدته قد أخذ بطرفي الآداب، واكتست عليه حلة الإيجاز والاسهاب، فاطردت مياه البراعة من فروع منثوره، وعبق نسيم البلاغة من مسكه وكافوره، وقابلتني منه أوجه من البر جميلة، فأردت ترك مفارضتك، نكولا عن مبارزتك، وذهبت إلى العدول عنها كلالا عن مناجزتك، وأنى بمناضلتك وقدحك الفائز، وكيف بمجاراتك وشأوي العاجز، تالله لولا مخافة العقوق، وترك واجبات الحقوق، لأضربت عن مجاوبتك تقصيرا، ولو شمرت عن ساعد ذهني تشميرا.
ووصل معه الغزال الأهيف، وكأن عينيه عينا وسنان مالت به نشوة الراح، وثنى عطفه هزة الارتياح، كأنما كحلا سحرا، وأشربا خمرا، ينظر بهما نظر المريب، ويعرض إعراض الحبيب، بجيد أتلع، [57أ] ومنظر أروع، وكأن قرنيه قلمان، وكأن أذنيه جلمان، ينصبهما إذا أوجس، ويثنيهما إذا أنس، وكأنما كسي أيطلاه حلة الشفق، وطرزت بسواد الغسق، يتوحش في الإنس، ويأنس في الكنس، عدوانه رياح، ومثواه قراح، تخاله سهما إذا انصاع، ومعشوقا أشعر برقيب فارتاع، يزداد جماله إذا نفر، وتروق محاسنه إذا ذعر:
كاد يحكي غزالة الإنس لولا رقة في الشوى وقرن علاه

الصفحة 214