كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)

لم يغلق عليهن كأبواب التراب، ولم يسدل دونهن كستور القبور، ورب أم مبرورة، وأخت كبيرة، قد نزعت منزعا من الصيانة، وذهبت مذهبا من مباح الديانة، ود ابنتها وأخوها قبل ذلك لو طواها كفن، وواراها جنن، فتقدمهن أصون لهن، وأولى بهن.
وفي فصل من أخرى: كتبت عن قلب يقشعر، ونفس بين ضلوعها لا تستقر، لخبر الرزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم، بوفاة [الحاجب عز الدولة سيدي] ، كان، لقاه الله الرضوان، وألحفه العفو والغفران، محتضرا في أول الكمال، مخترطا عند الاقبال، مبادرا قبل الإبدار، معاجلا بالسرار، في عنفوان الإقمار، فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس، وجمرة ما أذكاها في القلوب، وروعة ما أفتها في الأعضاء، ولوعة ما أحرها على الأكباد، لكنه أمر يعم ولا يخص، كل نفس لها جارع، وفيها كارع، فمن مبتدر يعاجل، ومنظر يناول:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا وأنت أعلم بالأيام وصروفها، والأرزاء وصنوفها، والأنفس ومآلها، والأجسام واضمحلالها، والعواري وارتجاعها، والمنائح ومقادير إمتناعها، من أن يغلبك الجزع والتهالك، وينزع بك الجلد والتماسك، فأنت بالأزمان خبير، وبالأحوال بصير، وباستعمال ما في ذكرك من أمثال التأسي [58 ب] ومواعظ التعزي جدير، ومثلك أعد للأمور أقرانها

الصفحة 219