كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (اسم الجزء: 5-6)

وحمل على النفوس أحزانها، ولم يغرب الدهر عليه ببدع من نوائبه، ولم يفجعه بما لم يحسبه من مصائبه، ولم يتجاوز دمع العين حزن القلب، إلى إحباط الأجر وإسخاط الرب؛ وإن كان الله قد سلب بعدله، فقد وهب بفضله، وإن كان أخذ فقد أعطى، وإن كان اخترم فقد أبقى، وبهذا صدع عروة بن الزبير رضي الله عنه عندما مني به في أحد أبنائه، وبعض أعضائه، والله يمتعك بالباقي الراهن، وينفعك بالثاوي الظاعن، ويجعل هذه الرزية منهى بلواك، وآخر رزاياك، وييسرك للتسليم والاحتساب، ويحفظ عليك ما عرضك به من مذخور الثواب، وإن كان قد جرى هذا الأمر، على خلاف حكم الدهر، في تقدم الأسلاف على الأخلاف، فصنع الله لك أجمل، وصنعه في بقائك أعدل، لغنائك عن المسلمين، ومكانك للدنيا والدين، فالملم ببقائك مغتفر، والمهم وإن جل محتقر.
وذكرت أنه خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فقد وقع أجره على الله، وفاز بكرامة الله، وإذا فاز بالسعادة والشهادة وهو فرطك وشافعك، فهو لا محالة مغتبطك ونافعك؛ وقد أخذت بحظى من هذه الحادثة الشنعاء، والداهية الدهياء، في من تستقبل له أحوال، وتناط به آمال ويعد في أكابر العدد، وفي دخله الصديق والولد، والآخر (-) إشفاقا عليك من مضطر فقده، وتصور شديد اكتئابك من بعده، فمثل هذا في مثله لم يكد للمصاب به صدر، ولا يثبت للصدمة الاجاجية صبر، فإن جزع الجازع فالعذر واضح، وإن صبر المصاب فالأجر راجح

الصفحة 220